تكذيب الرسل عليهم السّلام ظلما لأنفسهم لا غير ختم اظهار لمكان السخط ولجهة استحقاقهم إياه ، وان قيامة الطوفان وتلك الصورة الهائلة ما كانت إلا لظلمهم كما يؤذن بذلك الدعاء بالهلاك بعد هلاكهم ، والوصف بالظلم مع تعليق الحكم به ، وذكر بعضهم أن البعد في الأصل ضد القرب وهو باعتبار المكان ويكون في الحسوس ، وقد يقال في المعقول نحو
( ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً )
واستعماله في الهلاك مجاز
« قال ناصر الدين : يقال بعد بعدا بضم فسكون وبعدا بالتحريك إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده ، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء ، ولم يفرق في القاموس بين صيغتي الفعل في المعنيين حيث قال : البعد معروف والموت وفعلهما ككرم وفرج بعدا وبعدا فافهم
« وزعم بعضهم ان الأرض والسماء أعطيتا ما يعقلان به الامر فقيل لهما حقيقة ما قيل ، وان القائل ( بعدا ) نوح عليه السّلام ومن معه من المؤمنين ، ولا يخفى ان هذا خلاف الظاهر ، ولا أثر فيه يعول عليه والكلام على الأول أبلغ
بلاغة الآية من جهة علم المعاني
« وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها ، فذلك انه اختير ( يا ) دون سائر أخواتها لكونها أكثر في الاستعمال ، وانها دالة على بعد المنادى الذي يستدعيه مقام اظهار العظمة وابداء شأن العزة والجبروت ، وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به ولم يقل يا أرض بالكسر لان الإضافة إلى نفسه جل شأنه تقتضي تشريفا للأرض وتكريما لها فترك امدادا للتهاون ، ولم يقل : يا أيتها الأرض ! مع كثرته في نداء أسماء الأجناس قصدا إلى الاختصار والاحتراز عن تكلف التنبيه المشعر بالغفلة التي لا تناسب ذلك المقام ، واختير لفظ الأرض والسماء على سائر أسمائهما كالمقلة والغبراء ، وكالمظلة والخضراء لكونهما أخصر وأورد في الاستعمال ، وأوفى بالمطابقة فان تقابلهما انما اشتهر بهذين الاسمين ، واختير لفظ ( ابلعي ) على ابتلعي لكونه أخصر وأوفر تجانسا بأقلعي لان همزة الوصل ان اعتبرت تساويا في عدد الحروف وإلا تقاربا