قال الراغب الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة . وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله ومنه الجديل ( أي الحبل المفتول ) وجدلت البناء أحكمته ، ودرع مجدولة والأجدل الصقر المحكم البنية ، والمجدل ( كمنبر ) القصر المحكم البناء ، ومنه الجدال فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر على رأيه . وقيل الأصل في الجدال الصراع واسقاط الانسان صاحبه على الجدالة وهي ( بالفتح ) الأرض الصلبة ا ه وقال الفيومي في المصباح المنير جدل الرجل جدلا فهو جدل من باب تعب إذا اشتدت خصومته ، وجادل مجادلة إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب ، هذا أصله ، ثم استعمل في لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها ، وهو محمود ان كان للوقوف على الحق وإلا فمذموم ا ه وقد ورد عدة أحاديث وآثار في ذم الجدل والنهي عنه منها « ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه الا أوتوا الجدل » رواه أحمد والترمذي وابن ماجة من حديث أبي أمامة مرفوعا .
* * *
32
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا
أي قد خاصمتنا وحاججتنا فأكثرت جدالنا ، واستقصيت فيه فلم تدع لنا حجة إلا دحضتها حتى مللنا وسئمنا ولم يبق عندنا شيء نقوله - يدل على هذا قوله في سورة ( 71 : 5
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً 6 فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
) الخ وقوله لهم في التعبير عن هذه الحالة من سورة يونس ( 10 : 71
يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ
) الخ
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
من عذاب اللّه الدنيوي الذي تخافه علينا ، الأقرب أن يكون المراد به قوله
( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ )
ويجوز أن يكون غيره كما تقدم
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
في دعواك ان اللّه يعاقبنا على عصيانه في الدنيا قبل الآخرة
* * *
33
قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ
أي ان هذا للّه وبيده لا أملكه أنا وإنما هو الذي يأتيكم به إن تعلقت مشيئته به في الوقت الذي تقتضيه حكمته ، وهذا بيان للواقع لا شك فيه
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
ولا فائتين له إن أخره لحكمة يعلمها فهو متى شاء واقع ما له من دافع ، ونفي الاعجاز مؤكد بالباء