تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
عواذلي شهدن بنفي السوء عنه وهي شهادة نفي ، فشهادتي له على نفسي شهادة إثبات ؟
أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ
وهو لم يراودني ، بل استعصم وأعرض عني
وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
فيما اتهمني به من قبل ، وحمله أدبه الأعلى ووفاؤه الأسمى لمن أكرم مثواه وأحسن اليه - على السكوت عنه إلى الآن ، ونحن جزيناه بالسيئة على الاحسان ، وقد أقر الخصم وارتفع النزاع * * * 52
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
أي ذلك الاقرار بالحق له ، والشهادة بالصدق الذي علمته منه ، ليعلم الآن - إذ يبلغه عني - أني لم أخنه بالغيب عنه منذ سجن إلى الآن بالنيل من أمانته ، أو الطعن في شرفه وعفته ، بل صرحت لجماعة النسوة بأنني راودته فاستعصم وهو شاهد ، وها أنا ذا أقر بهذا أمام الملك وملائه وهو غائب ،
وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ
من النساء والرجال ، بل تكون عاقبة كيدهن الفضيحة والنكال ، ولقد كدنا له فصرف ربه عنه كيدنا ، وسجناه فبرأه وفضح مكرنا ، حتى شهدنا له في هذا المقام السامي على أنفسنا ، وهذا تعليل آخر لاقرارها ثم إنها على تبرئة نفسها من خيانته بالغيب اعترفت في الآية التالية بأنها لا تبرى نفسها من الكيد له بالسجن ، وان ذلك كان من هوى النفس الامارة بالسوء لان المراد منه تذليله لها ، وحمله على طاعتها ، وفيهما وجه آخر وهو انها تقول : ذلك الذي حصل أقررت به ليعلم زوجي أني لم أخنه بالفعل فيما كان من خلواتي بيوسف في غيبته عنا ، وأن كل ما وقع أنني راودت هذا الشاب الفاتن الذي وضعه في بيتي ، وخلى بينه وبيني ، فاستعصم وامتنع ، فبقي عرضه أي الزوج مصونا ، وشرفه محفوظا ، ولئن برأت يوسف من الاثم فما أبرئ منه نفسي ، فان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي ، وسيأتي ان من رحمته تعالى ببعض الأنفس صرفها عن الامر السوء وهو أعلى الدرجات ، ومنها حفظه إياها من طاعة الامر بوازع منها ، وهي دون ما قبلها ، ومنها عدم تيسر عمل السوء ، لها بامتناع من يتوقف عليه ذلك العمل على حدّ ( ان من العصمة ألا تجد ) هذا هو المتبادر من نظم الآيتين المناسب للمقام بغير تكلف ، ولكن ذهب الجمهور
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 323 | الشيخ محمد رشيد رضا