تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
إن علماء الصحابة ( رض ) والتابعين وأئمة الأمصار الذين ورثوا لغة القرآن بالسليقة وسنة النبي وبيانه له بالاتباع ، كانوا يفهمون هذه السنن الإلهية في الخلق ويهتدون بها ، وإن لم يضعوا لها قواعد علمية وفنية لتفقيه من بعدهم فيها ، ثم زالت سليقة اللغة من علماء المولدين فصاروا يفسرون القرآن بقواعد الفنون التي وضعوها للغة وللدين بقدر معارفهم الممزوجة بما ورثوا وما كسبوا من الشعوب التي اهتدت بالاسلام ، ولم يكن علم الاجتماع مما دونه أحد ، فلهذا لا نرى في تفاسيرهم شيئا من هذه السنن الخاصة بسياسة الأمم ، بل تنكبوا هداية القرآن فيها فكانت عاقبة أمرهم ما نشكو منه ونحاول تلافيه

الشاهد 16 في الاختلاف في الدين

تري في الآيتين ( 118 و 119 ) « * » بيان سنة اللّه تعالى في اختلاف الأمم في الدين كاختلافهم في التكوين والعقول والفهوم وحكمة جعلها في خاتمة السورة أنها أهم ما فيها من العبر للمؤمنين بالقرآن ، وهو أكمل هداية وهبها اللّه للانسان ، لتكون كافلة كافية له إلى آخر الزمان ، ذلك بان ما قبلها كله من سنن الاجتماع المبينة لأسباب فساد الافراد والأمم وقد أرشدهم القرآن لاتقائها فهو جامع لوصف أمراض البشر كلها ولوصف علاجها فمن آمن به وتدبره من الافراد والجماعات الصغرى ( البيوت والفصائل والعشائر ) والكبري ( الشعوب والقبائل ) عمل به ، ومن عمل به سلم من الفساد والهلاك حتما ، وانما ينحصر الخوف عليهم في ترك العمل به ، وهذا الترك إذا كان من بعض الافراد فخطبه سهل لأنه إما أن يكون من جهله بالحكم الذي خالفه ودواؤه التعليم ، وإما ان يكون من فساد تربيته ودواؤه النصيحة والارشاد ، وكل منهما مفروض على اخوانه المسلمين ، فإن لم يقبل النصيحة بالقول فعلاجه من جماعة المؤمنين ومن حكومتهم معروف ، وكذا إذا كان الترك من الجماعات الكبيرة أو الصغيرة للجهل أو لأسباب مالية أو عداوة شخصية ، أو عصبية دنيوية ، علاج كل ذلك في القرآن ظاهر وانما البلاء الأكبر والموت الأحمر والخطر الأسود المظلم فهو اختلاف الشيع والأحزاب في الدين والزيغ عن القرآن باتباع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء
هامش
( * ) هما آيتان في عد الكوفيين وآية واحدة في عد غيرهم وهو الراجح في المعنى