تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
من ظلمهم وفسقهم ، لأنهم لا يؤمنون بأنها عذاب ولا نذر من اللّه تعالى ، فأما الماديون منهم فأمرهم ظاهر ، وأما المؤمنون بوجود إله للعالم فلا يسندون إلى مشيئته وحكمته إلا ما يجهلون له سببا من نظام الطبيعة ، ويظنون أن كل ما يجري في نظام الأسباب فليس للّه تعالى فيه مشيئته وحكمة غير سببه ، وأن الأسباب لا تتبدل باختلاف الناس صلاحا وفسادا ، بل يعد الماديون هذه المعرفة بنظام الأسباب برهانا على الكفر والتعطيل ، وعلى جهل المؤمنين بترقي العلوم وجملة القول فيهم ان المستحوذ على عقولهم هو ما يسمونه « نظرية الميكانيكية » وخلاصة معناها أن العالم كله كآلة كبيرة تدار بقوة كهربائية فيتحرك بعض أجزائها بحركة الآخر ، وليس للقوة المحركة لها كلها علم ولا إرادة ولا اختيار في شيء منها ، ونقول لهم : من أوجد القوة ومن يحركها ويحفظ وحدة النظام فيها ؟ وأما قولهم إن لكل شيء من أحداث العالم سببا ، وان لهذه الأسباب نواميس وسننا ، وانها عامة لا خاصة ، فصحيح تدل عليه آيات القرآن المحكمة ، وأولها آيات القدر والتقدير ، التي يفهمها الجماهير بضد معناها ، ومنها الآيات الناطقة بأن سنن اللّه لا نتبدل ولا تتحول ، ومنها قوله تعالى في المصائب والنقم ( 8 : 25
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
) وقوله في الارزاق والنعم ( 17 : 20
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
) أي ما كان ممنوعا عن أحد من مؤمن وكافر ، ولا بر ولا فاجر ولكنه أخبرنا مع هذه القواعد العامة ، ان له في بعض المصائب مشيئة خاصة وحكمة بالغة كقوله ( 30 : 41
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
) وقوله ( 42 : 30
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
) فإن كان هذا في أسباب المصائب الطبيعية فمما جاء في الأسباب المعنوية قوله ( 3 : 117
مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ، وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
) الصر بالكسر وتشديد الراء البرد الشديد أو الحر الشديد ، وفي معناه مثل أصحاب الجنة الظالمين في سورة القلم ، ومثل صاحب الجنتين الظالم لنفسه في سورة الكهف ، وقد أهلك اللّه جناتهم بظلمهم ، وللّه في خلقه عقاب خفي ، وله فيهم لطف خفي ، فنسأله اللطف بنا