تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الامر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك لمعنى الترشيح للاستعارة المكنية في الأرض والسماء . ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء لكونها الأصل نظرا إلى كون ابتداء الطوفان منها حيث فار تنورها أولا . ثم جعل قوله سبحانه
( وَغِيضَ الْماءُ )
تابعا لأمر الأرض والسماء لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها . ألا ترى أصل الكلام
( قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ )
فبلعت ماءها
( وَيا سَماءُ أَقْلِعِي )
عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله
( وَغِيضَ الْماءُ )
النازل من السماء فغاض ، وقيد الماء بالنازل وإن كان في الآية مطلقا لان ابتلاع الأرض ماءها فهم من قوله سبحانه
( ابْلَعِي ماءَكِ )
واعترض بأن الماء المخصوص بالأرض إن أريد به ما على وجهها فهو يتناول القبيلين الأرضي والسمائي ، وإن أريد به ما نبع منها فاللفظ لا يدل عليه بوجه ، ولهذا حمل الزمخشري الماء على مطلقه ، وأشعر كلامه بأن
( غِيضَ الْماءُ )
إخبار عن حصول المأمور به من قوله سبحانه
( يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي )
فالتقدير قيل لهما ذلك فامتثلا الامر ونقص الماء « ورجح الطيبي ما ذهب اليه السكاكي زاعما ان معنى الغيض حينئذ ما قاله الجوهري وهو عنده مخالف للمعني الذي ذكره الزمخشري فقال : إن إضافة الماء إلى الأرض لما كانت ترشيحا للاستعارة تشبيها لاتصاله بها باتصال الملك بالمالك ولذا جيء بضمير الخطاب اقتضت إخراج سائر المياه سوى الذي بسببه صارت الأرض مهيأة للخطاب بمنزلة المأمور المطيع وهو المعهود في قوله تعالى
( وَفارَ التَّنُّورُ )
وبهذا الاعتبار يحصل التوغل في تناسي التشبيه والترشيح ، ولو أجريت الإضافة على غير هذا تكون كالتجريد وكم بينهما ؟ « هذا ولو حمل على العموم لاستلزم تعميم ابتلاع المياه بأسرها لورود الامر من مقام العظمة كما علمت من كلام السكاكي وليس بذاك ، وتعقبه في الكشف بأنه دعوى بلا دليل ورد يمين ؟ إذ لا معهود ، والظاهر ما على وجه الأرض من الماء ولا ينافي الترشيح وإضافة المالكية . ثم الظاهر من تنزيل الماء منزلة الغذاء أن تجعل الإضافة من باب إضافة الغذاء إلى المغتذي في النفع والتقوية وصيرورته جزءا منه ، ولا نظر فيه إلى كونه مملوكا أو غير ذلك ، وأما التعميم فمطلوب وحاصل على التفسيرين لانحصار