تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
فتدخل فيه مراكب هذا الزمان من مراكب النقل البرية والهوائية والبحرية ، ويتحقق العذر بفقد ما يحتاج اليه منها في كل سفر بحسبه ، وفقد العذر بوجوده ، فوجود الخيل والجمال والبغال لا ينفى العذر في السفر الذي يقطع في القطارات الحديدية أو السيارات ، أو الناطيد أو الطيارات ، * * * لما بين ان كل أولئك ما عليهم من سبيل بقي بيان من عليهم السبيل في تلك الحال فذكرهم بقوله
إِنَّمَا السَّبِيلُ
الواضح السوي الموصل إلى المؤاخذة والمعاقبة بالحق
عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ
اي يطلبون الاذن لهم في القعود والتخلف عن النفر والحال انهم أغنياء في حال هذا الاستئذان ومن قبله ، قادرون على اعداد العدة له من زاد ورواحل وغير ذلك ، ولماذا ؟
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ
اي رضوا لأنفسهم بان يكونوا مع الخوالف والخالفين ، من النساء والأطفال والمعذورين ، بل مع الفاسدي الاخلاق المفسدين
وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
فأحاط بهم ما جروا عليه من خطاياهم وذنوبهم ، بحسب سنن اللّه تعالى في أمثالهم
فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
كنه حالهم ، ولا سوء مآلهم ، وما هو سببه من أعمالهم ، فأما حالهم في التخلف وطلب القعود مع الخوالف بغير أدنى عذر فهو رضا بالذل والمهانة في الدنيا ، لأن تخلف الافراد عن القتال الذي تقوم به الشعوب والأقوام ، ورضاء الرجال بالانتظام في سلك النساء والأطفال ، يعد في عرف العرب والعجم من أعظم مظاهر الخزي والعار ، وهو في حكم الاسلام أقوى آيات الكفر والنفاق ، وأما مآلهم وسوء عاقبتهم فيه فهو ما فضحهم اللّه به في هذه السورة ، وما شرعه لرسوله وللمؤمنين من جهادهم وإهانتهم ، وعدم العود إلى معاملتهم بظاهر اسلامهم ، وما أعده لهم من العذاب الأليم ، والخزي الدائم في نار الجحيم وهاتان الآيتان بمعنى الآيتين ( 86 و 87 ) ولكن أسند فعل الطبع على القلوب في هذه الآية إلى اسمه عز وجل ، وهنالك أسند إلى المفعول ، والمراد من كل منهما واحد ، وهو بيان سنة اللّه تعالى وقدره في علاقة الاعمال ، بالعقائد والسجايا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 590 | الشيخ محمد رشيد رضا