تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
الخ وهؤلاء جماعة من الفقراء يدخلون في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون للجهاد في سفر طويل كغزوة تبوك وهو فقدهم الرواحل التي تحملهم ، فهو من عطف الخاص على العام . يقال حمله على البعير أو غيره أي أركبه إباه أو أعطاه إياه ليركبه ، وكان الطالب لظهر يركبه يقول لمن يطلبه منه : احملني ثم بين حال هؤلاء بعد جواب الرسول لهم بيانا مستأنفا فقال
تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
أي انصرفوا من مجلسك وهم في حال بكاء شديد ، هاجه حزن عميق . فكانت أعينهم تمتليء دمعا ، فيتدفق فائضا من جوانبها تدفقا ، حتى كأنها ذابت فصارت دمعا ، فسالت همعا
حَزَناً
منهم وأسفاأن لا
يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ
اي على عدم وجدانهم عندك ولا عندهم ما ينفقون ولا ما يركبون في خروجهم معك جهادا في سبيل اللّه وابتغاء مرضاته أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ( رض ) قال أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الناس أن ينبعثوا عازين . فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد اللّه بن مغفل المزني فقالوا يا رسول اللّه احملنا ، فقال « واللّه لا أجد ما أحملكم عليه » فتولوا ولهم بكاء ، وعز عليهم أن يحبسوا عن الجهاد ، ولا يجدون نفقة ولا محملا . فأنزل اللّه عذرهم
( وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ )
الآية . وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال : جاء ناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يستحملونه فقال « لا أجد ما أحملكم عليه » فأنزل اللّه
( وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ )
الآية . وذكر البطون التي ينسبون إليها ، وهنالك روايات أخرى في عددهم وبطونهم عند ابن إسحاق وغيره . وانهم كانوا يسمون البكائين . وهنالك رواية أخرى انهم ما سألوه صلّى اللّه عليه وسلّم الا الحملان على النعال ، ورواية أخرى انهم سألوه الزاد والماء ، ولا مانع من وقوع كل ذلك في هذه الغزوة الكبيرة ولكن الآية خاصة بطلاب الرواحل لأنه هو المتبادر من اللفظ . والحكمة في التعبير بالاتيان لأجل الحمل والاعتذار عنه بعدم وجدان ما يحمل عليه دون ذكر جنسه من راحلة ودابة هي إفادة العموم فيما يحمل عليه مريد السير
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 589 | الشيخ محمد رشيد رضا