بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
) و « من » لتأكيد النفي العام ، وهو أبلغ من قولك « ما عليه سبيل » وان كان عاما ، فقولك ما على فلان من سبيل - معناه ليس لأحد أدنى طريق يسلكها لمؤاخذته أو النيل منه ، فكل السبل مسدودة دون الوصول اليه ، وهذا الاستعمال مكرر في القرآن . والمحسنون ضد المسيئين ، وهو عام في كل من أحسن عملا من أعمال البر والتقوى
( بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ )
الآية . والشرع الإلهي يجزي المحسن باضعاف احسانه ، ولا يؤاخذ ولا يعاقب المسئ إلا بقدر إساءته . فإذا كان أولئك المعذورون في القعود عن الجهاد محسنين في سائر أعمالهم بالنصح المذكور انقطعت طرق المؤاخذة دونهم ، والاحسان أعم من النصح المذكور ، فالجملة تتضمن تعليل رفع الحرج عنهم بما ينتظمون به في سلك المحسنين ، فيكون رفعه عنهم مقرونا بالدليل ، فكل ناصح للّه ورسوله محسن ، ولا سبيل إلى مؤاخذة المحسن وإيقاعه في الحرج ، وهذه المبالغة في أعلى مكانة من أساليب البلاغة
ولما ذكر رفع المؤاخذة عنهم باحسانهم السلوك فيما هم معذورون فيه من القعود عن الجهاد وهو الذي اقتضاه المقام ، قفى عليه بالستر عليهم والصفح والاحسان إليهم فيما عداه ، على قاعدة ( هل جزاء الاحسان إلا الاحسان ) ؟ فقال
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
اي وهو تعالى كثير المغفرة واسع الرحمة فهو يستر على المقصرين ما لا يخلو منه البشر من ضعف في أداء الواجبات لا ينافي الاخلاص والنصح للّه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، ويدخلهم في رحمته في عباده الصالحين . وأما المنافقون المسيئون عملا ونية فإنما يغفر لهم ويرحمهم إذا تابوا من نفاقهم الباعث لهم على إساءتهم
* * *
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ
هذا معطوف على نفي الحرج عن الضعفاء والمرضى والفقراء ونفي السبيل عن المحسنين ، أي لا حرج على من ذكر بشرطه ، ولا سبيل على المحسن منهم في قعوده ، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل فيخرجوا معك فلم تجد ما تحملهم عليه