هم رهط عامر بن الطفيل جاؤوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دفاعا عن أنفسهم فقالوا يا نبي اللّه ان نحن غزونا معك تغير اعراب طيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « قد أنبأني اللّه من اخباركم وسيغني اللّه عنكم » وقال ابن عباس هم قوم تخلفوا بعذر باذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . أقول وظاهره ان عذرهم حق ، وهو يصدق ببعضهم دون بعض ، كمقابله الذي يذكر عن أبي عمرو
وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
أي وقعد عن القتال وعن المجيء للاعتذار الذين كذبوا اللّه ورسوله من الاعراب ، أي أظهروا الايمان بهما كذبا وايهاما ، يقال - كما في الأساس - كذبته نفسه إذا حدثته بالأماني والأوهام التي لا يبلغها ، وكذبته عينه إذا أرته مالا حقيقة له . قال الأخطل :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا
وهؤلاء هم المنافقون الاقحاح . قال أبو عمرو بن العلاء : كلا الفريقين كان مسيئا : قوم تكلفوا عذرا بالباطل وهم الذين عناهم اللّه تعالى بقوله
( وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ )
وقوم تخلفوا من غير عذر فقعدوا جرأة على اللّه تعالى وهم المنافقون ، فأوعدهم اللّه بقوله
سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
الظاهر المختار ان هذا الوعيد يعود على ما قبله من الفريقين عاما في المكذبين ، وخاصا ببعض المعذرين ، كما هو المتبادر من قوله تعالى
( مِنْهُمْ )
أي الاعراب الذين اعتذر بعضهم وقعد بعض ، فان الذين كذبوا اللّه ورسوله كلهم كفار ، وأما المعتذرون فمنهم الصادق في عذره ، والكاذب فيه لمرض في قلبه ، أو لتكذيبه لله ورسوله ، وكل منهم يعرف نفسه فيحاسبها إذا وجد الوعيد موضعا للعبرة منها ، ولو جعل التبعيض لهم وحدهم لظل القاعدون الكاذبون بغير وعيد وهم شر من شرهم ، فلا يصح التبعيض فيهم وحدهم ، ومن ثم اقتضى التحقيق أن يوجه الوعيد إلى الذين كفروا منهم لكفرهم لاعتذارهم ، وإلى الذين قعدوا لكفرهم لا لقعودهم ، بل للكذب الذي كان سببه وهو عين الكفر ، وهو لم يذكر بصيغة الحصر ، لان من القعود ما يكون بعذر من الاعذار المنصوصة في الآية التالية وهم أولو الضرر في قوله تعالى
( 4 : 94 لا يَسْتَوِي