تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
هم رهط عامر بن الطفيل جاؤوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دفاعا عن أنفسهم فقالوا يا نبي اللّه ان نحن غزونا معك تغير اعراب طيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « قد أنبأني اللّه من اخباركم وسيغني اللّه عنكم » وقال ابن عباس هم قوم تخلفوا بعذر باذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . أقول وظاهره ان عذرهم حق ، وهو يصدق ببعضهم دون بعض ، كمقابله الذي يذكر عن أبي عمرو
وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
أي وقعد عن القتال وعن المجيء للاعتذار الذين كذبوا اللّه ورسوله من الاعراب ، أي أظهروا الايمان بهما كذبا وايهاما ، يقال - كما في الأساس - كذبته نفسه إذا حدثته بالأماني والأوهام التي لا يبلغها ، وكذبته عينه إذا أرته مالا حقيقة له . قال الأخطل :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا
وهؤلاء هم المنافقون الاقحاح . قال أبو عمرو بن العلاء : كلا الفريقين كان مسيئا : قوم تكلفوا عذرا بالباطل وهم الذين عناهم اللّه تعالى بقوله
( وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ )
وقوم تخلفوا من غير عذر فقعدوا جرأة على اللّه تعالى وهم المنافقون ، فأوعدهم اللّه بقوله
سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
الظاهر المختار ان هذا الوعيد يعود على ما قبله من الفريقين عاما في المكذبين ، وخاصا ببعض المعذرين ، كما هو المتبادر من قوله تعالى
( مِنْهُمْ )
أي الاعراب الذين اعتذر بعضهم وقعد بعض ، فان الذين كذبوا اللّه ورسوله كلهم كفار ، وأما المعتذرون فمنهم الصادق في عذره ، والكاذب فيه لمرض في قلبه ، أو لتكذيبه لله ورسوله ، وكل منهم يعرف نفسه فيحاسبها إذا وجد الوعيد موضعا للعبرة منها ، ولو جعل التبعيض لهم وحدهم لظل القاعدون الكاذبون بغير وعيد وهم شر من شرهم ، فلا يصح التبعيض فيهم وحدهم ، ومن ثم اقتضى التحقيق أن يوجه الوعيد إلى الذين كفروا منهم لكفرهم لاعتذارهم ، وإلى الذين قعدوا لكفرهم لا لقعودهم ، بل للكذب الذي كان سببه وهو عين الكفر ، وهو لم يذكر بصيغة الحصر ، لان من القعود ما يكون بعذر من الاعذار المنصوصة في الآية التالية وهم أولو الضرر في قوله تعالى
( 4 : 94 لا يَسْتَوِي
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 585 | الشيخ محمد رشيد رضا