فان رب العالمين هو خالقهم ومربيهم بنعمه ومدبر أمورهم بسننه الحكيمة وشارع الدين لهم ، وأما الآله فهو المعبود بالفعل أي الذي تتوجه اليه قلوب العباد بالاعمال النفسية والبدنية والتروك للقربة ورجاء الثواب ومنع العقاب عن اعتقاد أنه صاحب السلطان الأعلى والقدرة على النفع والضر بالأسباب المعروفة وغير المعروفة إذ هو مسخرها وبغيرها إن شاء . والحقيق بالعبادة هو الرب الخالق المدبر وحده ، ولكن من البشر من يترك عبادته ومنهم من يعبد غيره معه أو من دونه . وكانت العرب تتخذ أصناما تعبدها ولكنهم لم يتخذوها أربابا بل شهد القرآن بأنهم كانوا يعتقدون ويصرحون بأن اللّه الخالق لكل شيء هو رب كل شيء ومليكه ومدبر أمره ، وهو يحتج عليهم بأن الرب هو الحقيق بالعبادة وحده دون غيره ، فلا ينبغي لهم أن يعبدوا أحدا من دونه لا بشرا ولا ملكا ولا شيئا سفليا ولا علويا .
فمن اعتقد ان انسانا أو ملكا أو غيرهما من الموجودات يخلق كما يخلق اللّه أو يقدر على تدبير شيء من أمور الخلق والتصرف فيها بقدرته الذاتية غير مقيد بسنن اللّه تعالى العامة في الأسباب والمسببات كأمثاله من أبناء جنسه فقد اتخذه ربا .
وكذلك من أعطى أي انسان حق التشريع الديني بوضع العبادات كالأوراد المبتدعة التي تتخذ شعائر موقوتة كالفرائض ، وبالتحريم الديني الذي يتبع خوفا من سخط اللّه ورجاء في ثوابه - فقد اتخذه ربا ، وأما إذا دعاه فيما لا يقدر عليه المخلوقون بما لهم من الكسب في دائرة السنن الكونية والأسباب الدنيوية أو سجد له أو ذبح القرابين له وذكر عليها اسمه أوطاف بقبره وتمسح به وقبله تقربا اليه وابتغاء مرضاته وعطفه أو إرضائه اللّه عنه وتقريبه اليه زلفى كما يطوف بالكعبة ويستلم الحجر الأسود ويقبله - ولم يعتقد مع هذا انه يخلق ويرزق ويدبر أمور العباد فقد اتخذه إلها لا ربا ، فان جمع بين الامرين فهو المشرك في الربوبية والألوهية معا كما بينا هذا مرارا كثيرة
وقد ثبت في الآيات المحكمة القطعية الدلالة ان اللّه تعالى هو شارع الدين وان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم هو المبلغ له عنه
( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
-
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ *
-
فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ) *
فهذه أنواع الحصر التي هي أقوى الدلالات . وأركان الدين التي