بعد أخرى حتى إذا تم وكمل علم أن عمله حق صحيح . وألف في ذلك كتابا كبيرا سماه الأناجيل وسمى ما استخلصه منها الإنجيل الصحيح . وقد سبق لنا تلخيص مقدمته التي بين فيها ما حققه في الموضوع ( ص 131 و 226 و 259 م 6 منار )
ومما قاله فيها : « ان القارئ لا ينبغي له أن ينسى ان من الخطأ الفاحش والكذب الصراح أن يقال إن الأناجيل الأربعة هي كتب مقدسة في جميع آياتها » وأيد ذلك بما هو مسلم عندهم من « ان المسيح لم يؤلف كتابا قط كما فعل أفلاطون وغيره من الفلاسفة وانه لم يلق تعاليمه مثل سقراط على رجال من أهل العلم والأدب وانما عرضها على قوم من الجهال قد خشنت طباعهم كان يصادفهم في طريقه » أي فلم يحفظوها ولم يكتبوها ، وفي هذه الأناجيل نصوص صريحة بأنهم لم يكونوا يفهمون كل كلام المسيح ولا سيما أمثاله التي كان يضربها لهم
ثم ذكر تولستوي انه جاء بعده بزهاء مائة عام رجل أدركوا مكانة كلماته فخطر في بالهم أن يدونوها بالكتابة فكانت مدوناتهم كثيرة ومنها ما كان محشوا بالخطأ والغلط - وان الكنيسة اختارت بعد ذلك من ألوف المصنفات ما رأته أقرب إلى الكمال « وان الغلط في الأناجيل القانونية هو بقدر الغلط في الأناجيل المهملة لاعتبارها محلا للشك والارتياب ، وان هذه الأناجيل المتروكة تشتمل على أشياء جميلة قد تعادل ما تضمنته الأناجيل الرسمية » الخ ومما حققه في هذه المقدمة ان دين المسيح الصحيح أجنبي عن العقيدة العبرانية ، وعقيدة الكنائس النصرانية ، وان بولس لم يفهم دين المسيح البتة
فهذه نصرانية هذا الفيلسوف الكبير ، وتلك عقيدة ذلك العاهل الكبير ، وما أتعب الأول في التفكير ، والآخر في التأويل ، إلا سلطان الدين الفطري على النفس ، ومشاقة الدين الكنسي للعقل والعلم ، ولو أنهما اطلعا على حكم القرآن في أمر التوراة والإنجيل والمسيح وكونه من روح اللّه وآية من آياته وان معنى كونه كلمة اللّه انه وجد بكلمة التكوين « كن » - لكان هذا وحده برهانا كافيا لاهتدائهما بالاسلام ، واتباعهما لمحمد عليه الصلاة والسّلام ، فكيف لو اطلعا على غير ذلك من الحقائق والحكم والاحكام ؟ على أن القليل الذي بلغهما منه قد أنطقهما بما
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 350
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣٥٠