وآيات أخرى غير هذه في الرسائل ) ومع أن المسيح يأمرنا بأن ندعو اللّه « أبانا » فهو لا يدعوه كذلك إنما يدعوه « أبي » وذلك إيماء لما هنالك من الألفة العظيمة ، والعلاقة الشديدة الكائنة بينهما مما تفوق علاقته كل علاقة بشرية . وإشارة إلى اننا نحن أولاده ليس على سبيل البنوة التي للمسيح ربنا بل من قبيل البنوة التي أنعم علينا بها بواسطة التبني والتجديد اه . بحروفه
أقول إن ما لخصه صاحب هذا القاموس من عقيدة النصارى ، هو أوضح ما تعرف به هذه العقيدة بالاختصار المتوخى في هذا القاموس ، على غموضه وضعفه في نفسه ، وما يذكرونه في عامة كتبهم قلما يفهم المراد منه لما في عباراتها من التعقيد اللفظي والمعنوي في موضوع غير معقول في نفسه . وفيما ذكره مؤاخذات كثيرة نذكر أهم ما يتعلق بموضوعنا هنا منها ولذلك نغض الطرف عما قاله في بيان المراد من اسم الجلالة لأننا نقلناه تمهيدا لما بعده فنقول :
( 1 ) ما ذكره فيما سماه « طبيعة اللّه » لا يدل عليه لفظ الاسم الكريم ، ولا شيء من كتب الأنبياء في العهد القديم ، ولا مما جاء عن متقدميهم في سفر التكوين .
فثبت بهذا أن هذه الطبيعة المدعاة لم تكن معروفة عند أنبياء أهل الكتاب قبل النصرانية التقليدية وهي أصل الدين فيها ، ونتيجة هذا أن هذه العقيدة مبتدعة بعدهم وهم برآء منها
( 2 ) ان ما أشار اليه من نص الإنجيل فيها لا يدل عليها وهو ما في إنجيل متى من قوله في آخره رواية عن المسيح عليه السّلام 28 . 19 « وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس » فهذا اللفظ لا يدل على أن هذه الأسماء الثلاثة عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر ، وان كلا منها عين الآخر ، وانه يطلق عليه اسم ( اللّه ) الخالق لجميع الكائنات الخ ما ذكره في معنى اسمه عز وجل ، ولا على أنها تتقاسم الاعمال الإلهية على السواء كما ادعاه فيما سماه طبيعة اللّه
وكذلك ما أشار اليه من رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس وهو قوله في آخرها ( 13 : 14 نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة اللّه وشركة الروح القدس مع جميعهم ) على أننا نعتقد أن بولس هو واضع أساس الديانة النصرانية الحاضرة وجاء فيها بما لم يؤثر عن المسيح عليه السّلام ولا عن تلاميذه الحواريين رضي اللّه عنهم
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 334
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣٣٤