لتقوية ايمانهم ، ونوط آمالهم بربهم ، واتكالهم عليه دون مجرد كسبهم ، وإن كانوا مأمورين بالكسب ، لأنه من سننه تعالى في الخلق ، ولكن لا يجوز ان يسيهم توفيقه وتأييده لهم ، فهو الذي نصرهم وأغناهم فيما مضى كما وعدهم ، وسيزيدهم نصرا وغنى إذا هم وفوا بما شرطه عليهم بمثل قوله
( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ )
وما في معناه مما سبق التذكير بمواضعه في تفسير سورة الأنفال وغيرها
وانما كان قيد المشيئة بالجملة الشرطية المصدرة بان - والأصل فيها عدم الجزم بوقوع شرطها - لأن متعلقها مما مضت سنته تعالى فيه ان يكون بأسباب كسبية لا بد من قيامهم بها ، وتوفيق منه تعالى لا تتم بدونه مسبباتها ، وكل من الامرين مجهول عندهم لا يمكنهم القطع بحصوله ، وحكمة إبهامه أن يوجهوا همتهم إلى القيام بما يجب عليهم لاستحقاقه . ولما كانت مشيئته تعالى تجري بمقتضى علمه وحكمته جعل فاصلة الآية قوله
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
أي عليم بما يكون من مستقبل أمركم في الغنى والفقر ، حكيم فيما يشرعه لكم من نهي وأمر ، كنهيه عن قرب المشركين للمسجد الحرام بعد ذلك العام ( تسعة من الهجرة ) ونهيه قبله عن اتخاذ آبائكم واخوانكم منهم أولياء ان استحبوا الكفر على الايمان ، وأمركم قبل ذلك بقتال المشركين بعد انقضاء عهودهم بأربعة أشهر ، وعلمه بمصالحكم ومنافعكم ، وحكمته فيما يشرع من الامر والنهي لكم ، تامان كاملان متلازمان ، فإذا علمتم ذلك وعلمتم ما شرعه لكم ، وما قيد به وعده بالجزاء عليه والمزيد من فضله ، رأيتم مشيئته عز وجل موافقة لذلك كله
* * *
( 29 ) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
كان كل ما تقدم من أول السورة في أحكام قتال المشركين وما يتعلق بهم ، وهذه