تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
الصديق رضي اللّه تعالى عنه كان مظهرا لصفة الرحمة والجمال كما يرشد اليه ما تقدم في حديث الاسراء وما جاء من قوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلم « أرحم أمتي بأمتي أبو بكر » أحال اليه عليه الصلاة والسّلام أمر المسلمين الذين هم مورد الرحمة ، ولما كان علي كرم اللّه تعالى وجهه الذي هو أسد اللّه مظهر جلاله فوض اليه نقض عهد الكافرين الذي هو من آثار الجلال وصفات القهر ، فكانا كعينين فوارتين يفور من إحداهما صفة الجمال ، ومن الأخرى صفة الجلال ، في ذلك المجمع العظيم الذي كان أنموذجا للحشر وموردا للمسلم والكافر انتهى . ولا يخفى حسنه لو لم يكن في البين تعليل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اه ونقول إذا كان تعليله ( ص ) لتبليغ علي نبذ العهود عنه بكونه من أهل بيته ينافي أن تكون النكتة المذكورة علة ، فهو لا يأبى أن تكون حكمة ، ورأيت في مصنف جديد لبعض الشيعة المعاصرين ضربا آخر من المبالغة والتكبير لهذه المسألة كما فعل بغيرها من مناقبه كرم اللّه وجهه من حيث يصغر مناقب الشيخين ان لم يجد شبهة أو وسيلة لانكارها ، حتى أنه جعل تنويه كتاب اللّه عز وجل بصحبة الصديق الأكبر للرسول الأعظم في هجرته وإثبات معيته عز وجل لهما معا في الغار مما لا قيمة له ولا يعد مزية للصديق ( رض ) ولولا أنهم قد نشطوا في هذه الأيام لدعاية الرفض والبدع والصد عن السنة والطعن في أئمتها لما جعلنا شبهة التبليغ تستحق أن تذكر وتبين ههنا ذلك بأنه اقتصر من روايات المسألة على ما نقله عن ابن جرير الطبري عن السدي من قوله : لما نزلت هذه الآيات إلى رأس الأربعين - يعني من سورة براءة - بعث بهن رسول اللّه ( ص ) مع أبي بكر وأمره على الحج فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة أتبعه بعلي فأخذها منه . فرجع أبو بكر إلى النبي ( ص ) فقال يا رسول اللّه بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شئ ؟ قال « لا ، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني » ثم استنبط من هذه الرواية انها تدل على أن نفس علي من الرسول ( ص ) منزلة نفسه وأنه خير أصحابه وأفضلهم عند اللّه وأكرمهم عليه فان من كان بهذه الصفة هو الذي يمثل شخص النبي ويقوم مقامه ويكون بمنزلة نفسه الشريفة . ثم قال : ودل هذا القول منه ( ص ) على أن كون على من رسول اللّه ( ص ) ونفسه نفسه أمر محقق ثابت لا ريب فيه عند أبي بكر ولهذا لم يحتج ( ص ) لذكره ، وذلك ظاهر عند العارف بطريق الاستدلال ، وترتيب الاشكال ، وقد عمد بعض النواصب إلى الحط من هذه الكرامة فزعم أنه ( ص ) إنما أراد بأنه نفسه ومنه هو القرب في
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 162 | الشيخ محمد رشيد رضا