لم تهذب بهداية الدين ، ولم تشذب بحسن التربية والتعليم ، قال تعالى
( 28 وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ )
وقد بينا وجوه ذلك في تفسير الآية ( ص 644 ج 9 )
( السنة الخامسة ) ما ثبت في الكتاب العزيز واخبار التاريخ من عقاب كفار الأمم الجاحدين الذين عاندوا الرسل وهو قسمان : عقاب الذين عاجزوهم بما اقترحوا عليهم من الآيات الكونية فلم يؤمنوا بها على توعدهم بالهلاك فأهلكهم اللّه تعالى بعذاب الاستئصال كما أوعدهم على ألسنة رسلهم - وعقاب الذين عادوهم وقاتلوهم فأخزاهم اللّه ونصر رسله عليهم . وقد كان هذا مطردا وسماه اللّه تعالى سنة في قوله
( 38 قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ، وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ )
وليعلم أن النوع الأول من هذين العقابين هو غير الذي بيناه في السنة الثانية فان الذنب في تلك سبب طبيعي اجتماعي للعقاب ، وفي هذه ليس سببا طبيعيا بل وضعيا تشريعيا بمقتضى وعيد اللّه تعالى ، وقد كان الذنب واحدا - وهو تكذيب الرسل ومعاندتهم - والعقاب عليه مختلفا
( 29 : 40 فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا )
والفرق بين النوعين كالفرق بين الأمراض البدنية ، والمصائب الدنيوية ، وبين العقوبات الحكومية ، فان الأولى تحدث بسبب مخالفة نظام الفطرة وسنن حفظ الصحة فهي علة وسبب طبيعي لها ، وأما الثانية وهي العقوبات المقررة في الشرائع والقوانين على جرائم الافراد - كالحدود الشرعية والتعزير بالحبس أو الضرب أو التغريم بالمال على من قتل أو زنى أو سرق أو ضرب أو غصب - فهي وضعية تكليفية تقع بفعل منفذ الشرع والقانون ، ولو كانت أسبابا تكوينية طبيعية للعقاب الذي يحكم به القاضي وينفذه السلطان لوقع بدون حكم ولا تنفيذ منفذ . وقد تكون سببا لعقاب طبيعي آخر غير عقاب الشرع والقانون ، بما تحدثه من الضرر في الصحة والفساد في الأمة ، فان اللّه تعالى لم يحرم على الناس شيئا الا لضرره ، حتى إذا ما كثرت وفشت فصارت ذنبا للأمة ترتب عليها ما تقدم بيانه في السنة الثانية من عقاب الأمة بفشو الفسق وترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقد بينا هذا الفرق وهذه السنن مرارا في هذا التفسير وقررنا أن عذاب الآخرة ينقسم إلى هذين القسمين أيضا ( فيراجع في مواضعه بدلالة فهارس الاجزاء كلفظ جزاء وعذاب وعقاب وأمم )
وأما النوع الثاني من عقاب معاندي الرسل فهو يشبه عذاب الأمم على ظلمها وفسوقها من وجه واحد ويخالفه من وجهين : يشبهه من حيث إن أعداء الرسل