ومكان يستحقه بحسب صفته
( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ )
وهو الحكيم العليم الذي يضع كل شيء في موضعه . ولعل نكتة تقديم الخبيث في الذكر كون السياق للاهتمام بإزالة شبهة المغترين بكثرته ولذلك قال
وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ
الخطاب من الرسول لكل مكلف بلغته دعوته كما تقدم ، أي ولو أعجبك أيها السامع كثرة الخبيث من الناس لقوتهم ، أو من الأموال المحرمة لسهولة تناولها ، والتوسع في التمتع بها ، كأكل الربا والرشوة والغلول والخيانة ، أو لدعوى أصحابها انها دليل على حب اللّه لهم ورضاه عنهم ، إذ فضلهم بها على غيرهم ،
( وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ )
أي لا يستويان في أنفسها ولا عند اللّه ولو فرض ان كثرة الخبيث أعجبتك وغرتك فصرت بعيدا عن ادراك حقيقة الامر ، وهي أن القليل من الحلال كراتب الحاكم العادل وربح التاجر الصادق ، خير من كثير الحرام كالرشوة والخيانة ، باعتبار حسن العاقبة في الدنيا والآخرة ، كما أن القليل الجيد من الغذاء أو المتاع خير من الكثير الرديء الذي لا يغني غناءه ولا يفيد فائدته . بل ربما يضر آكله ويفسد عليه معدته
كذلك القليل الطيب من الناس خير من الكثير الخبيث ، فالفئة القليلة من أهل الشجاعة والثبات والايمان ، تغلب الفئة الكثيرة من ذوي الجبن والتخاذل والشرك ، وان أفرادا من أولي البصيرة والرأي ، ليأتون بما تعجز عنه الجماعات من أهل الغباوة والخرق ، والعالم الحكيم ، يسخر لخدمته ألوفا من الجاهلين
( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )
كان المشركون يفخرون على المؤمنين في صدر الاسلام بكثرتهم ويعتزون بها
( وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً )
فضرب اللّه تعالى لهم مثل الكافر الذي فاخر المؤمن بقوله
( أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً )
وكيف كانت عاقبة أمره خسرا . وقال لهم
( 8 : 19 وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ )
ثم قال للمؤمنين تثبيتا لهم حتى لا تروعهم كثرة المشركين في عددهم وعددهم
( 8 : 26 وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ )
وجاءت هذه الآية بالقاعدة العامة وهي ان العبرة بصفة الشيء لا بعدده ، وانما تكون العزة بالكثرة بعد التساوي في الصفات