والخبيث كالمؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، والمصلح والمفسد ، والمظلوم والظالم ، فلا بدّ إذا من الجزاء بالحق ، ولا يملك الجزاء الا من يقدر على العقاب الشديد ، وعلى المغفرة والرحمة ، لذلك قال
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
لمن دسّى نفسه بالشرك والفسوق والعصيان
وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
لمن زكى نفسه بالأعمال الصالحة مع التوحيد والايمان ، فلا يؤاخذه بما سلف قبل الايمان ، ولا بما يعمله من السوء بجهالة إذا بادر إلى التوبة والاصلاح . ولا باللمم ، إذا اجتنب كبائر الاثم والفواحش .
بل يستر ذنبه ويمحوه ، فيضمحل في ايمانه وعمله الصالح ، كما يستر القذر القليل ، ويضمحل بما يغمره من الماء الكثير ، ويخصه فوق ذلك برحمة منه ورضوان .
فالآية متضمنة للترغيب والترهيب ، والوعد والوعيد ، فهي وعيد لمن كفر وتولى عن العمل بكتاب اللّه ، ووعد لمن آمن به وعمل الصالحات . وقد تقدم تفسير المغفرة والرحمة في كثير من الآيات . ولعل في تقديم ذكر العقاب وتأخير ذكر المغفرة والرحمة إشارة إلى أن العقاب قد ينتهي بالمغفرة والرحمة فلا يدوم ، لان رحمته تعالى سبقت غضبه كما ثبت في الحديث الصحيح ، ولذلك يغفر كثيرا من ظلم الناس لأنفسهم
( وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) *
وأعاد اسم الجلالة في مقام الاضمار للدلالة على أن مغفرته ورحمته ثابتتان له بالأصالة
* * *
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ
هذا بيان لوظيفة الرسول في إثر بيان كون الجزاء بيد اللّه العليم بكل شيء ، وهي ان الرسول من حيث هو رسول ليس عليه الا تبليغ رسالة من أرسله ، فهو لا يعلم جميع ما يبديه المكلفون من الاعمال والأقوال وما يكتمونه منها فيكون أهلا لحسابهم وجزائهم على أعمالهم ، وانما يعلم ذلك اللّه وحده . وفيه ابطال لما عليه أهل الشرك والضلال من الخوف من معبوداتهم الباطلة والرجاء فيها ، والتماس الخلاص والنجاة من عذاب الآخرة بشفاعتها ، فهو يقول بصيغة الحصر
« ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ »
والبيان لدين اللّه وشرعه ، فبذلك تبرأ ذمته ، ويكون من بلغهم هم المسؤولين عند اللّه تعالى ؛ « تفسير المائدة » « 16 » « الجزء السابع »