واللّه وحده هو الذي يعلم ما تبدون وما تكتمون من عقائدكم وأقوالكم وافعالكم فيجازيكم عليها ، بحسب علمه المحيط بكل ذرة منها ، فيكون جزاؤه حقا وعدلا ، ويزيد المحسنين كرما منه وفضلا .
( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ) *
فلا تطالبوا بسعادتكم الا أنفسكم ، ولا تخافوا عليها الا منها .
ويؤيد تفسيرنا هذا قوله في سورة الرعد
( 13 : 40 فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ )
وقوله في سورة الأنعام
( 6 : 48 وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 49 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 50 ) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ . قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ، أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ ؟ ( 51 ) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )
وأما الشفاعة الواردة في الأحاديث فلا تناقض الشفاعة المنفية هنا وفي آيات أخرى - لأنها عبارة عن دعاء مستجاب يظهر اللّه عقبه ما سبق به علمه واقتضته حكمته بحسب ما في كتابه ، تكريما للداعي الشفيع من غير أن يكون مؤثرا في علم اللّه ولا في ارادته ، لان الحادث لا يؤثر في القديم ،
( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )
* * *
ثم إنه تعالى لما بين الجزاء وكونه منوطا بالاعمال ، أراد ان يبين ما يتعلق به الجزاء من وصف الاعمال والعاملين لها ، فأثبت وجود حقيقتين متضادتين يترتب على كل منهما ما يليق بها ، وهما حقيقة الطيب وحقيقة الخبيث ، فقال
قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ
أي قل أيها الرسول مخاطبا كل فرد من أفراد أمة الدعوة :
لا يستوي الخبيث والطيب « 1 » من الأشياء والاعمال والأموال - كالضار والنافع ، والفاسد والصالح ، والحرام والحلال ولا من الناس كالظالم والعادل ، والجاهل والعالم ، والمفسد والمصلح ، والبر والفاجر والمؤمن والكافر . فلكل من الخبيث والطيب في القسم الأول حكم يليق به عند اللّه تعالى ، ولكل منهما في القسم الآخر جزاء
هامش
( 1 ) راجع تفسير الكلمتين في ص 169 و 170 ج 7 من التفسير