تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
به على العالمين ، فناسب أن يصرح في أواخرها بأن الرسول قد أدى ما عليه من وظيفة البلاغ ، وأنه ينبغي للمؤمنين ان لا يكثروا عليه من السؤال ، لئلا يكون ذلك سببا لكثرة التكاليف التي يشق على الأمة احتمالها ، فتكون العاقبة ان يسرع إليها الفسوق عن أمر ربها . فان قيل : إذا كان الامر كذلك فلم طال الفصل بين هذا النهي وبين الخبر باكمال الدين ، ولم يتصل به في النظم الكريم ؟ قلت : تلك سنة القرآن في تفريق مسائل الموضوع الواحد من أخبار وأحكام وغيرهما لما بيناه مرارا من حكمة ذلك ، وهاك أقوى ما ورد في أسباب نزول الآيتين : روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وغيرهم عن أنس ابن مالك قال : خطب رسول اللّه ( ص ) خطبة ما سمعت مثلها قط وقال فيها « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » قال فغطى أصحاب رسول اللّه ( ص ) وجوههم لهم خنين « 1 » فقال رجل : من أبي ؟ قال « فلان » فنزلت هذه الآية
( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ )
قال الحافظ ابن كثير « وقال ابن جرير : حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة في قوله
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ )
الآية ، قال فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سألوه حتى أحفوه بالمسألة فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال « لا تسألوني اليوم عن شيء الا بينته لكم » فأشفق أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد حضر ، فجعلت لا ألتفت لا يمينا ولا شمالا الا وجدت كل رجل لافأ رأسه في ثوبه يبكي ، فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعى إلى غير أبيه فقال : يا نبي اللّه من أبي ؟ قال « أبوك حذافة » قال ثم قام عمر - أو قال فأنشأ عمر - فقال رضينا باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا عائذا باللّه - أو قال أعوذ باللّه - من شر الفتن . قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لم أر في الخير والشر كاليوم قط
هامش
( 1 ) روي بالمعجمة وبالمهملة وهما اسمان لصوتين مخصوصين والمراد هنا الكباء بهما فالأول البكاء الذي يخرج به الصوت من الخياشيم مع غنة والثاني البكاء المرتفع من الصدر وهو دون النحيب
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 126 | الشيخ محمد رشيد رضا