الصحيح مثل لهداية اللّه تعالى للمؤمنين وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، كما كان شأن إبراهيم مع ذلك الكافر . وقالوا إن هذا لا يصح أن يكون معطوفا على قصة الذي حاج إبراهيم في ربه ، لأن ذلك منكر ، ورد على طريقة التعجيب والانكار لأن من شأن مثله أن لا يقع . وهذا وإن كان عجيبا لا يصح إنكار وقوعه لأن الشبهة قد تعرض للمؤمن وهو مؤمن فيطلب المخرج بالبرهان فيهديه اللّه إليه بما له من الولاية والسلطان على نفسه ، ويخرجه من ظلمات الشبهة والحيرة إلى نور البرهان والطمأنينة . وقد قدروا هنا « أرأيت » لاثبات التعجيب دون الانكار أي
أَوْ
أرأيت
كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ
أي مثل الذي مر على قرية في إلمام ظلمة الشبهة به وإخراج اللّه إياه منها إلى النور . وقد أبهم اللّه تعالى هذا المار وهذه القرية ، فلم يذكر مكانها وأصحابها ، بل اقتصر على الوصف الذي به تقرر الحجة حتى لا يشغل القارئ أو السامع عنها شاغل . فهو من الاختصار البليغ ولكن المفسرين أبوا إلا أن يبحثوا عنها وعمن مر بها ، فقال بعضهم إنها قرية الذين خرجوا من ديارهم وقيل غير ذلك وقيل إن الذي مر أرمياء وقيل العزير رجما بالغيب أو تسليما للإسرائيليات
وقوله
وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
معناه وهي خالية من السكان واقعة على عروشها فقوله
« عَلى عُرُوشِها »
خبر بعد خبر أو متعلق بخاوية على القول الثاني أي ساقطة على عروشها . وقيل المعنى : وهي خاوية من السكان وقائمة على عروشها ومن أمثالهم : إذا نزعت القوائم سقطت العروش . والحال تأتى من النكرة خلافا لمن منع ذلك . وأوقع المفسرين في التعسف في التأويل واختيار الجملة الحالية على الحال المفرد لتمثيل حال القرية في النفس بذكر ضميرها وإسناد خاوية إليه ولو قال : على قريه خاوية لما أفاد هذا التمثيل .
قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
يتعجب من ذلك ويعده غريبا لا يكاد يقع
فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ
قالوا معناه ألبثه مائة عام ميتا . وذلك أن الموت يكون في لحظة واحدة قال الأستاذ الامام : وفاتهم أن من الموت ما يمتد زمنا طويلا وهو ما يكون من فقد الحس والحركة والادراك من غير أن تفارق الروح البدن بالمرة ، وهو ما كان لأهل الكهف وقد عبر عنه تعالى بالضرب على الآذان . أقول : ولعل وجهه أن السمع آخر ما يفقد من