تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
واحدة فإنهما يكونان متفقين في كل شئ ولا تنس موسى وهارون عليهما السّلام وأما مجيء النبي بعد النبي فيجوز أن ينسخ معظم فروع شرعه . وبهذا يتضح لك معنى تصديق نبينا بالكتب السابقة ولمن جاءوا بها من الرسل وأنه لا يقتضى أن يكون شرعه التفصيلي موافقا لشرائعهم ، ولا أن يقر أقوامهم على ما درجوا عليه قال تعالى لمن أخذ عليهم هذا الميثاق
أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ
أي قبلتم
عَلى ذلِكُمْ
الذي ذكر من الايمان بالرسول المصدق لما معكم ونصره
إِصْرِي
أي عهدي
قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
أي فليشهد بعضكم على بعض وأنا معكم شاهد عليكم جميعا لا يغيب عن علمي شيء وقيل معناه فليشهد كل واحد على نفسه كما قال
( 7 : 172 وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ )
وقيل معناه فبينوا هذا الميثاق للناس . وقيل معناه فاعلموا ذلك علما يقينا ، كالعلم بالمشاهد بالبصر . وقال الأستاذ إن هذا الأمر بالشهادة دليل على ترجيح قول جعفر الصادق إن العهد مأخوذ من الأنبياء على أممهم ، والمعنى أن اللّه تعالى أمر الأنبياء بأن يشهدوا على أممهم بذلك وهو سبحانه معهم شهيد . وقال أيضا : إن العبارة ليست نصا في أن هذه المحاورة وقعت وهذه الأقوال قيلت . والمختار عنده أن المراد بها تقرير المعنى وتوكيده على طريق التمثيل أقول : ومن مباحث اللفظ في الآية أن الاقرار من قر الشئ إذا ثبت ولزم قرارة مكانه زيدت عليه همزة التعدية ، فقيل أقر الشئ إذا أثبته وأقر به إذا نطق بما يدل على نبوته . والأخذ التناول ، وفسرناه هنا بالقبول وهو غايتة لأن آخذ الشئ يقبله وهو مستعمل كذلك في التنزيل قال تعالى
( 2 : 46 وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ )
ثم قال
( 2 : 123 وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ )
فقال مرة إنه لا يؤخذ منها عدل ومرة لا يقبل منها عدل . والمعنى واحد و « الاصر » في الأصل عقد الشئ وحبسه بقهره ، والمأصر محبس السفينة ، وفسر الاصر في
( 7 : 157 وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ )
بما يحبسهم عن الخير ويقعدهم عن عمل البر . وعلى هذا قال الراغب في الآية التي نفسرها : إن الاصر هو العهد المؤكد الذي يثبط ناقضه عن الثواب
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 353 | الشيخ محمد رشيد رضا