وأما المعنى على الوجه الأول مع القول بأن الميثاق أخذ على الأنبياء فهو أنه لما كان القصد من إرسالهم واحدا وجب أن يكونوا متكافلين متناصرين إذا جاء واحد منهم في زمن آخر آمن به ونصره بما استطاع ولا يلزم من ذلك أن يكون متبعا لشريعته ، كما آمن لوط لإبراهيم وأيد دعوته إذ كان في زمنه
وكل من القولين حجة على الذين يجعلون الدين سببا للخلاف والنزاع والعداوة والبغضاء ، كما فعل أهل الكتاب في عداوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والكيد له . فكان يدعوهم إلى كلمة سواء فلا يلقى منهم إلا الخلاف والشحناء
وسئل الأستاذ الامام في الدرس عن إيمان نبي بنبي آخر يبعث في عصره هل يستلزم ذلك نسخ الثاني لشريعة الأول ؟ فقال : لا يستلزم ذلك ولا ينافيه . وإنما المقصود تصديق دعوته ونصره على من يؤذيه ويناوئه فان تضمنت شريعة الثاني نسخ شئ مما جاء به الأول وجب التسليم له وإلا صدقه بالأصول التي هي واحدة في كل دين ويؤدى كل واحد مع أمته أعمال عبادتها التفصيلية ولا يعد ذلك اختلافا وتفرقا في الدين . فان مثله يأتي في الشريعة الواحدة كأن يؤدى شخصان كفارة اليمين أو غيرها بغير ما يكفر به الآخر هذا بالصيام وذاك باطعام المساكين وسبب ذلك اختلاف حال الشخصين فأدى كل واحد ما سهل عليه :
أقول : ولنا أن نضرب للمسألة مثل عاملين يرسلهما الملك في عصر واحد إلى ولايتين مستقلتين متجاورتين فلا شك أنه يجب على كل منهما تصديق الآخر ونصره عند الحاجة وأنه يجب أن يكونا متفقين في الأصول العامة للسلطنة أو ما يعبر عنه أهل هذا العصر بالقانون الأساسي ، وما يناسب ذلك . وقد يكون بين الولايتين اختلاف في طباع الأهالي واستعدادهم وحال البلاد يقتضى اختلاف الأحكام الجزئية كأن تكون الضرائب قليلة في إحداهما كثيرة في الأخرى . وكل من العاملين يؤمن للآخر بذلك وإن لم يعمل بعمله . وكذلك يؤمن كل من النبيين المرسلين بكل ما جاء به الآخر وإن وافقه في الأصول دون جميع الفروع . ولا يعقل أن ينسخ ما جاء به الأول على لسان رسول آخر لقوم آخرين . وأما إذا بعث الرسولان في أمة
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 352
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣٥٢