تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
الأفراد وانقرض النوع من الأرض . وفي الفطرة والدين المرشد إلى كمالها ما يكفى لإقامة الميزان القسط فيهما غالبا حتى لا يغلب في الأمة تفريط ولا إفراط ويكون الخير أصلا عاما والشر عرضا مفارقا . والأصل الذي لا ينازع فيه أحد أن الانسان قد جبل على أن لا يعمل عملا إلا إذا اعتقد أنه نافع وأن فعله خير له من تركه وذلك شأنه في الترك أيضا وأن هداياته الأربع الحس والوحدان والعقل والدين - كافيه لأن يعتقد أن كل خير نافع وكل شر ضار . فإذا قصر في الاهتداء بهذه الهدايات فوقع في الشر كان وقوعه فيه أثرا لتنكب طريق الفطرة لا للسير على جادتها وأكثر أعمال الناس نافعة لهم غير ضارة بغيرهم . ومن التفصيل في المسألة ما تقدم من القول في كذب الأطفال ومنه ما سئلنا عنه في الدرس ومجالس البحث من الميل إلى الزنا مثلا وأجبنا بأن الانسان لا يميل بفطرته إلى الزنا وإنما يميل إلى الوقاع وهذا من الخير وأصول الكمال في الفطرة وإنما الزنا وضع له في غير موضعه وذلك من العوارض الطارئة التي تكثر بترك مقومات الفطرة وحوافظها من نذر الدين وقضايا العقل وآداب الاجتماع ولقد كنت قبل الوقوف على أحوال الناس لا سيما في بلاد مصر أظن أن الزنا لا يكاد يقع إلا نادرا من بعض أفراد الجاهلين وهذا ما يعتقده كل من ينشأ في بيئة تغلب فيها العفة ولم يعرف حال غيرها ولا أخبار الشاذين فيها ولو كان فطريا لشعر كل أحد من نفسه بالحاجة اليه كما يشعر بأنه في حاجة إلى زوج يتحد به . ولعل ما أوردناه كاف للمتدبر ولا يتسع التفسير لأكثر منه بين اللّه تعالى لنا شأن المؤمن في السمع والطاعة ثم طلب المغفرة لما يلم به أو يتهم به نفسه من التقصير ، وفضله ومنته في عدم تكليف النفس ما ليس في وسعها ثم علمنا هذا الدعاء لندعوه به وهو
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
فتركنا ما ينبغي فعله أو فعلنا ما يجب تركه أو جئنا بالشئ على غير وجهه . وهذا يدل على أن من شأن النسيان والخطأ أن يؤاخذ عليهما وسيأتي بيان الوجه فيه . والمؤاخذة المعاقبة ، وهي من الأخذ لأن من يراد عقابه يؤخذ بيد القهر . قال الأستاذ الامام ومن الناس من قال إن الخطأ والنسيان لا مؤاخذة عليهما لأن الناسي والمخطىء لا إرادة لهما فيما فعلاه نسيانا أو خطأ ومثل هذا الكلام يوجد في كتب الأصول