من الناس شرير واحد يفعل الشر وهو لا يشعر بأنه شر قبيح في نفسه والذين ذهبوا إلى أن الانسان شرير بالطبع أرادوا من الطبع ما يرون عليه غالب الناس ولم يلاحظوا فيه معنى الغريزة ومنا شئ العمل من الفطرة . ذلك أن الانسان ينشأ بين منازعات الكون وفواعل الطبيعة وأحيائها ومغالبة أبناء جنسه على المنافع والمرافق وقد يدفعه هذا الجهاد إلى الأثرة وتوفير الخبر لنفسه خاصه ويلجئه لظلم إلى الظلم فيأتيه متعلما إياه تعلما متكلفا له تكلفا وفي نفسه ذلك الهاتف الفطري يقول له لا تفعل وهو النبراس الإلهي الذي لا ينطفئ . فإذا رجع الانسان إلى أصل فطرته لا يرى إلا الخير ، ولا يميل إلا اليه وإذا تأمل في الشر الذي يعرض له لم يخف عليه أنه ليس من أصل الفطرة وإنما هو من الطوارىء التي تعرض عليها لا سيما من ينشأ بين قوم فسدت فطرتهم وأشد ما يضر الانسان في ذلك نظره إلى حال غيره ولذلك أمرنا في الحديث أن ننظر في شؤون الدنيا إلى من دوننا وهذا الأمر خاص بالأفراد بعضهم مع بعض ، فان نظر الواحد إلى من دونه يجعله راضيا بما أوتيه من المنعم بعيدا عن الحسد الذي هو منبع الشرور وأما الأمم فينبغي أن ننظر في حال من فوقنا منها لأجل مباراتها ومساماتها .
هذا ما قاله الامام في هذه المسألة بايضاح ، ومنه يعلم وجه قوله تعالى في الخير كسبت وفي الشر اكتسبت ، وكان رحمه اللّه تعالى يرى أن أحق ما يتعجب له من حال الانسان كثرة عمل الشر وقلة عمل الخير ويعلل ذلك بأن عمل الخير سهل وعاقبته حميدة وعمل الشر عسر ومغبته ذميمة ولا عجب في تعجبه ، فقد كان مجبولا من طينة الخير سليم الفطرة من عوارض الشر حتى لم تؤثر في نفسه الزكية الشرور التي كانت تحيط به من أول نشأته إلى يوم وفاته قدس اللّه روحه ورضى عنه والمسألة تحتاج إلى زيادة في البسط لكثرة اشتباه الناس فيها ولشد ما عارضنا في تقريرها الطلاب في الدرس والباحثون في المحاضرات ولئن سألتهم ما هو الشر الفطري في البشر ليقولن حب الشهوات والغضب وما ينشأ عنهما من الأعمال والأخلاق ولولا هاتان الغريزتان لما جلب أحد لنفسه ولا لغيره نفعا ، ولما دفع ضرا ، ولما ظهر من أعمال الانسان ما نرى من أسرار الطبيعة ومحاسن الخليقة بل لولاهما لبادت
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 147
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص١٤٧