منه أنهما مما يرجى العفو عنهما إذا وقع العبد فيهما بعد بذل جهده والاحتياط والتحري والتفكر والتذكر وأخذ الدين بقوة وشعر بتقصيره فلجأ إلى الدعاء الذي يقوى في النفس خشية اللّه تعالى والرجاء بفضله فيكون هذا الاقبال على اللّه تعالى نورا تنقشع به ظلمة ذلك التقصير ، ولعل إيراد الشرط بان للايذان بأن هذا خلاف ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن وأنه لا يقع إلا قليلا . وهذا وما قبله مما زدته على كلام الأستاذ الامام في هذا المقام
وقد يرد على هذا التفسير حديث ابن عباس المرفوع عند ابن ماجة وابن المنذر وابن حبان والدارقطني والبيهقي في السنن وهو « إن اللّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » وهو ضعيف لا يسلم له إسناد ولكنه لكثرة طرقه يعد عندهم من الحسن لغيره ( قاله في فتح البيان ) وقد يقال إن مخالفته لظاهر الآية تدل على وضعه لا ضعفه إلا أن يؤول بأن هذه الأمور أنفسها مما يتجاوز عنها في الآخرة ولما يترتب عليها حكمه فإن كان صلاة أعيدت وإن كان ذنبا وجبت التوبة منه والتضرع إلى اللّه بالدعاء وإلا أوخذ الناسي والمخطىء على ما يترتب على النسيان والخطأ دونهما وقد أخطأ القرافى في فروقه بما كتب في هذا المقام خطأ ندعو اللّه أن يغفره له .
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً
الاصر العبء الثقيل يأصر صاحبه أي يحبسه مكانه لا يستقل به لنقله ، وحمله أكثر المفسرين على التكاليف الشاقة لأن الآية نزلت في زمن التشريع ونزول الوحي ولذلك قال
كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
أي من الأمم التي بعث فيها الرسل كبنى إسرائيل فقد كانت التكاليف شاقة عليهم جدا . وفي تعليمنا هذا الدعاء بشارة بأنه تعالى لا يكلفنا ما يشق علينا كما صرح بذلك بعد في قوله
( 5 : 6 ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ )
وهو يتضمن الامتنان علينا وإعلامنا بأنه كان يجوز أن يحمل علينا الاصر وأنه يجب علينا شكره لذلك وحكمة الدعاء بذلك الآن استشعار النعمة والشكر عليها . وقال بعضهم : إن الاصر هو العقوبة على ترك الامتثال وعدم حمل الشريعة على وجهها فطلب منا أن ندعوه بأن لا تكون عقوبتنا على ذلك كعقوبة الأمم السابقة الذين نزلت بهم ألوان من العذاب ودمرتهم تدميرا حتى هلكوا هلاكا حسيا . فلم يبق منهم أحد أو هلاكا معنويا بأن