تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
الانسان إيمانا واعتقادا ، لأنه نشأ عليه وقبله بالتقليد ولم يسمع له ناقضا . فمثل هذا ليس اعتقادا حقيقيا ، وقلما ينشأ عنه عمل لأنه تقليد ، بقاؤه في الغفلة عن ناقضه ، والاذعان ينبه النفس دائما إلى ما تذعن له ، ويبعثها دائما إلى العمل به إلا إذا عرض ما لا يسلم منه المرء من الموانع ، ولهذا عطف
« أَطَعْنا »
على
« سَمِعْنا »
. ولما كان العامل المذعن المخلص يراقب قلبه ويحاسب نفسه على التقصير الذي تأتى به العوارض الطارئة ويلومها على مادون الكمال عن الأعمال كان من شأن المؤمنين أن يقولوا مع السمع والطاعة
غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
أي يسألونه تعالى أن يغفر لهم ما عساه يطرأ على أنفسهم فيعوقها عن الرقى في معارج الكمال الذي دعاها إليه الايمان . والغفران كالمغفرة الستر ، وستر الذنب يكون بعدم الفضيحة عليه في الدنيا وترك الجزاء عليه في الآخرة . وإنما يطلب هذه بالتوبة واتباع السيئة الحسنة مع الدعاء الذي يزيد في الايمان ، وبذلك يمحى أثر الذنوب من النفس في الدنيا فيرجى أن تصير إليه تعالى في الآخرة نقية ركية . لأن هذا المصير إليه وحده هو الذي يكون وراءه الجزاء بحسب درجات النفوس في معارج الكمال .
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
ولا يحاسبها إلا على ما كلفها والتكليف هو الالزام بما فيه كلفة ، والوسع ما تسعه قدرة الانسان من غير حرج ولا عسر ، وقال بعضهم هو ما يسهل عليه من الأمور المقدور عليها ، وهو مادون مدى طاقته والمعنى أن شأنه تعالى وسنته في شرع الدين أن لا يكلف عباده ما لا يطيقون . قال المفسرون : إن الآية تدل على عدم وقوع تكليف ما لا يطاق لا على عدم جوازه ولكن هذا لا يلتئم مع قولهم إن الكلام في شأنه وسنته تعالى في التكليف ، وستأتي تتمة هذا البحث قريبا . وإذا كان هذا التكليف لم يقع كما قالوا امتنع أن تكون الآية ناسخة لما قبلها لأنه لا يتضمن تكليف ما ليس في الوسع كما تقدم ، ولا لقوله تعالى
( 3 : 103 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ )
كما قيل . وفي الجملة وجهان قيل هي ابتداء خبر من اللّه تعالى كأنه بشارة بغفران ما طلبوا غفرانه من التقصير وتيسير ما قد يشتم من الآية السابقة من التعسير ، وقيل إنها داخلة في قول المؤمنين ، فهم بعد سؤال الغفران قد أذنوا بأن يصفوا اللّه تعالى بهذا النوع من الرأفة بعباد ، والحكمة في سياستهم