والكلام ، ويتبعه من المناقشات ما يبعد به عن حدود الافهام ، وإذا رجع الانسان إلى نفسه وتأمل الأمر في ذاته علم أن الناسي يصح أن يؤاخذ فيقال له لم نسيت ؟
فان النسيان قد يكون من عدم العناية بالشيء وترك إجالة الفكر فيه وترديده في النفس ليستقر في الذاكرة فتبرزه عند الحاجة اليه . ولذلك ينسى الانسان ما لا يهمه ويحفظ ما يهمه ، فإذا كان النسيان غير اختياري فسببه الذي بيناه آنفا اختياري ولذلك يؤاخذ الناس بعضهم بعضا بالنسيان لا سيما نسيان الأدنى لما يأمره به الأعلى فإذا عهدت إلى من لك عليه سلطان أو فضل بأن يفعل كذا أو يجيئك في يوم كذا فنسى ولم يمتثل فإنك تسأله وتؤاخذه بما ترميه به من الاهمال وعدم العناية بأمرك وقد آخذ اللّه آدم على ذنبه ثم تاب عليه مع قوله فيه
( 20 : 112 وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً )
وقال في جواب من يسأل يوم القيامة ربه لم حشره أعمى من هذه السورة
( 20 : 126 كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى )
وقال في أهل الكتاب
( 5 : 13 وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ )
وفي آية
( 15 فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ )
وهناك آية أخرى وقد فسر النسيان فيها بالترك الذي هو لازمه وذلك لا يمنع الاستدلال بها لأن المراد بالنسيان هنا أيضا لازمه وهو ترك الامتثال . وكذلك الخطأ ينشأ من التساهل وعدم الاحتياط والتروي ولذلك أوجبت الشريعة الضمان في إتلاف الخطأ والدية في جنايته فإذا أراد امرؤ أن يرمى صيدا فأصاب إنسانا فقتله كان مؤاخذا في الشريعة وكذا في القوانين الوضعية فثبت أن المؤاخذة على النسيان والخطأ مما جاءت به الشريعة وجرى عليه عرف الناس في معاملاتهم وقوانينهم ، ولو لم يكن كل من الناسي والمخطىء مقصرا لما كان هذا ، وكما جاز ذلك وحسن يجوز أن يؤاخذ اللّه الناس في الآخرة بكل ما يأتونه من المنكر ناسين تحريمه أو واقعين فيه خطأ ، ولكنه تعالى علمنا أن ندعوه بأن لا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، وذلك من فضله علينا وإحسانه في هدايتنا فان هذا الدعاء يذكرنا بما ينبغي من العناية والاحتياط والتفكر والتذكر لعلنا نسلم من الخطأ والنسيان أو يقل وقوعهما منا فيكون ذنبا جديرا بالعفو والمغفرة ، فهذا الدعاء لا يدل على أن حكم اللّه في النسيان والخطأ أن لا يؤاخذ عليهما بل قصارى ما يؤخذ