تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
قرضا اقترضه فإذا جاء الأجل ولم يكن للمدين مال يفي به طلب من صاحب المال أن ينسىء له في الأجل ويزيد في المال وكان يتكرر ذلك حتى يكون أضعافا مضاعفة فهذا ما ورد القرآن بتحريمه لم يحرم فيه سواه وقد وصفه في آية آل عمران التي جاءت دون غيرها بصيغة النهى وهي قوله عز وجل
( 3 : 130 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً )
وهذه أول آية نزلت في تحريم الربا فهو تحريم لربا مخصوص بهذا القيد وهو المشهور عندهم . فقوله تعالى
( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا )
الآيات يحمل الربا فيها على ما سبق ذكر في النهى الأول عملا بقاعدة إعادة المعرفة ووفاقا لقاعدة حمل المطلق على المقيد ويدعم ذلك مقابلته بالصدقة حيث ذكر وتسميته ظلما . وقد أورد ابن جرير وهو إمام المفسرين واعلمهم بالرواية روايات كثيرة في ذلك أشرنا إليها في تفسير الآيات . وهذا النوع من الربا هو أشدها ضررا وهو مذموم عند كل عاقل بل هو ممنوع في قوانين الأمم التي تبيح غيره من أنواع الربا . قال ابن القيم في ( إعلام الموقعين ) الربا نوعان جلى وخفى ، فالجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم ، والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلى . فتحريم الأول قصدا وتحريم الثاني وسيلة . فأما الجلى فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المئة عنده آلافا مؤلفة . وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج فإذا رأى المستحق يؤخر مطالته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدى من أسر المطالبة والحبس ويدافع من وقت إلى وقت ، فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ويزيد مال المرابى من غير نفع يحصل منه لأخيه فيأكل مال أخيه بالباطل ويحصل أخوه على غاية الضرر . فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته واحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه وآذن من لم يدعه بحرب اللّه وحرب رسوله . ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة وغيره ولهذا كان أكبر الكبائر وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا يشك فيه ؟ فقال : هو أن يكون له دين فيقول
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 114 | الشيخ محمد رشيد رضا