عالة عليهم . فإذا كان المفتونون من المسلمين بهذه المدنية ينكرون من دينهم تحريم الربا بغير فهم ولا عقل فسيجىء يوم يقر فيه المفتونون بأن ما جاء به الاسلام هو النظام الذي لا تتم سعادة البشر في دنياهم ، فضلا عن آخرتهم إلا به ، يوم يفوز الاشتراكيون في الممالك الأوربية ويهدمون أكثر دعائم هذه الأثرة المادية ، ويرغمون أنوف المحتكرين للأموال ويلزمونهم برعاية حقوق المساكين والعمال
الربا المحرم بنص القرآن والربا المحرم بأحاديث الآحاد والقياس
التفرقة بين ما ثبت بنص القرآن من الأحكام وما ثبت بروايات الآحاد وأقيسة الفقهاء ضرورية فان من جحد ما جاء في القرآن يحكم بكفره ومن يجحد غيره ينظر في عذره . فما من إمام مجتهد إلا وقد قال أقوالا مخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة لأسباب يعذر بها وتبعه الناس على ذلك . ولا يعد ذلك أحد عليهم خروجا من الدين حتى من لا عذر له في التقليد ، فما بالك بمخالفة بعضهم بعضا في الأقوال الاجتهادية التي تختلف فيها أقيستهم .
وقد فشا بين المسلمين أكل الربا مع ذلك الوعيد الذي نطق به القرآن وأكثرهم يعتقدون أن لفظ الربا فيه يتناول جميع ما قال فقهاء مذاهبهم أنه منه حتى بيع الحلى من الذهب بجنيهات يزيد وزنها على وزنه لمكان الصنعة في الحلى . وبعض العقود التي يعدها الفقهاء فاسدة أو باطلة وإنا نعلم أنه لا يكاد يوجد في عشرات الألوف من المسلمين رجل واحد يتحامى كل ما عده الفقهاء من الربا ولعله يندر في الفقهاء أنفسهم من يطبق شراء الحلى للنساء على قواعد الفقه ، كأن يشترى ما كان من الذهب بفضة ، وما كان من الفضة بذهب يدا بيد ، فيهما أو يتخذ لذلك حيلة فقهية .
فالناس في أشد الحاجة إلى التمييز بين الربا القطعي المتوعد عليه في القرآن بالخلود في النار وبين غيره مما اختلف فيه أو كان وعيده دون وعيده لأن ضرره دون ضرره وإليك البيان
قد علم مما تقدم في تفسير الآيات أنها نزلت في وقائع كانت للمرابين من المسلمين قبل التحريم . فالمراد بالربا فيها ما كان معروفا في الجاهلية من ربا النسيئة أي ما يؤخذ من المال لأجل الانساء أي التأخير في أجل الدين . فكان يكون للرجل على آخر دين مؤجل يختلف سببه بين أن يكون ثمن شئ اشتراه منه أو
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 113
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص١١٣