إدراكه فقال تعالى
( 9 : 34 وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ )
وكل من اتخذ من الدراهم والدنانير آنية من ذهب أو فضة فقد كفر النعمة وكان أسوأ حالا ممن كنز ، لأن مثال هذا مثال من استسخر حاكم البلد في الحياكة والمكس والأعمال التي يقوم بها أخساء الناس والحبس أهون منه . وذلك أن الخزف والحديد والرصاص والنحاس تنوب مناب الذهب والفضة في حفظ المائعات عن أن تتبدد وانما الأواني لحفظ المائعات ولا يكفى الخزف والحديد في المقصود الذي أريد به النقود . فمن لم ينكشف له هذا انكشف له بالترجمة الإلهية . وقيل له « من شرب في آنية من ذهب أو فضة فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم » « 1 »
وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة وظلم لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما إذ لا غرض في عينهما فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة . إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم ومن معه ثوب ولا نقد معه فقد لا يقدر على أن يشترى به طعاما ودابة ، إذ ربما لا يباع الطعام والدابة بالثوب فهو معذور في بيعه بنقد آخر ليحصل النقد فيتوصل به إلى مقصوده فإنهما وسيلتان إلى الغير لا غرض في أعيانهما . وموقعهما في الأموال كموقع الحرف من الكلام ، كما قال النحويون إن الحرف هو الذي جاء لمعنى في غيره . وكموقع المرآة من الألوان فأما من معه نقد فلو جاز له أن يبيعه بالنقد فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله لبقى النقد متقيدا عنده وينزل منزلة المكنوز . وتقييد الحاكم والبريد الموصل إلى الغير ظلم ، كما أن حبسه ظلم . فلا معنى لبيع النقد بالنقد إلا اتخاذ النقد مقصودا للادخار وهو ظلم » اه المراد من كلام الغزالي ويليه حكم تحريم أنواع الربا كلها
من تدبر ما قاله الامامان علم أن تحريم الربا هو عين الحكمة والرحمة ، الموافق لمصلحة البشر المنطبق على قواعد الفلسفة ، وأن إباحته مفسدة من أكبر المفاسد للأخلاق وشؤون الاجتماع ، زادت في أطماع الناس وجعلتهم ماديين ، لا هم لهم إلا الاستكثار من المال وكادت تحصر ثروة البشر في أفراد منهم وتجعل بقية الناس
هامش
( 1 ) هذا حديث رواه مسلم في صحيحه وغيره عن أم سلمة