تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
* * *
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا
. وصفهم بالايمان وذكرهم بالتقوى ثم انتقل إلى الأمر بترك ما بقي من الربا لمن كانوا يرابون منهم عند غرمائهم ثم وصل ذلك بقوله
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
قال الأستاذ الامام أي إن كان إيمانكم تاما شاملا لجميع ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من الأحكام فذروا بقايا الربا وقد عهد في الأسلوب العربي أن يقال : إن كنت متصفا بهذا الشئ فافعل كذا : ويذكر أمرا من شأنه أن يكون أثرا لذلك الوصف . أقول : ويؤخذ من هذا أن من لم يترك ما بقي من الربا بعد نهى اللّه تعالى عنه وتوعده عليه فلا يعد من أهل هذا الايمان التام الشامل ؛ الذي له السلطان الأعلى على إرادة العامل ، وهذا يؤيد ما قلناه في مسألة خلود من عاد إلى الربا بعد تحريمه في النار . ومن الناس من يؤمن ببعض الكتاب إيمانا يبعث على العمل ويكفر ببعض فلا يذعن له ويعمل به ، فهو يجحده بفعله وإن أقربه بلسانه ، ولا يعتد اللّه بايمانه إلا إذا صدق قلبه وعمله لسانه « لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن » * * *
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
أي فإن لم تتركوا ما بقي لكم من الربا كما أمرتم فاعلموا واستيقنوا بأنكم على حرب من اللّه ورسوله إذ نبذتم ما جاءكم به رسوله عنه . فقوله فأذنوا كقوله فاعلموا وزنا ومعنى وهي قراءة الجمهور ، وقرأ حمزة وعاضم في رواية ابن عياش ( فآذنوا ) بمد الألف من الايذان بمعنى الاعلام أي فأعلموا أنفسكم - أي ليعلم بعضكم بعضا - أو المسلمين بأنكم محاربون للّه ورسوله بالخروج عن الشريعة وعدم الخضوع للحكم وهذا يستلزم أن يكونوا عالمين بذلك ، كأنه يقول إن عدم الخضوع للأمر خروج عن الشريعة فهو إعلام للمسلمين بأنكم خارجون عن حكم اللّه ورسوله محاربون لهما . فسر الأستاذ الامام حرب اللّه لهم بغضبه وانتقامه . قال ونحن إن لم نر أثر هذا في الماضين فإننا نراه في الحاضرين ممن أصبحوا بعد الغنى يتكففون ومن باتوا والمسألة الاجتماعية ( مناصبة العمال لأرباب الأموال ) تهددهم بالويل والثبور . وأما الحرب من رسوله لهم فهي مقاومتهم بالفعل في زمنه ، واعتبارهم أعداء له في هذا الزمن الذي لا يخلفه فيه أحد يقيم شرعه
وَإِنْ تُبْتُمْ
ورجعتم عن الربا امتثالا وخضوعا
فَلَكُمْ رُؤُسُ
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 102 | الشيخ محمد رشيد رضا