تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
استغراقها ، وأما الطاقة فهي آخر درجات القدرة فليس بعدها إلا العجز المطلق كأنها آخر طاقة - أي فتلة من الطاقات التي يتألف منها الحبل ، والمعنى ان المطلوب التوسع في النفقة من السعة أي بحيث لا ينتهي إلى الضيق . وقد بسط هذا الايجاز في سورة الطلاق بقوله تعالى في هذا المقام
( 65 : 7 لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً )
لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب « لا تضار » بالضم تبعا لقوله
« لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ »
والباقون بالفتح وكلاهما جائز في اللغة ، وهو نهي عن المضارة صريح ، والأول نهي في المعنى خبر في اللفظ ، وقالوا إن الكلام تفصيل لما يفهم من سابقه وتقريب له إلى الفهم . والصواب انه يفيد مع تعليل الاحكام السابقة حكما جديدا عاما ، فمنع الرجل المرأة من إرضاع ولدها وهي له ارأم ، وبه ارأف ، وعليه احنى وأعطف ، اضرار بها بسبب ولدها ، والتضييق عليها في النفقة مع الارضاع إضرار بها بسبب ولدها ، وامتناعها هي من إرضاعه تعجيزا للوالد بالتماس الظئر أو تكليفه من النفقة فوق وسعه اضرار به بسبب ولده فالعلة في الاحكام السابقة منع الضرار من الجانبين باعطاء كل ذي حق حقه بالمعروف ، وهو يتناول تحريم كل ما يأتي من أحد الوالدين للاضرار بالآخر ، كأن تقصر هي في تربية الولد البدنية أو النفسية لتغيظ الرجل ، وكأن يمنعه هو من أمه ولو بعد مدة الرضاع أو الحضانة ، فالعبارة نهي عام عن المضارة بسبب الولد لا يقيد ولا يخصص بوقت دون وقت أو حال دون حال أو شخص دون شخص . وكلمة « تضار » تحتمل البناء للفاعل والبناء للمفعول وهي للمشاركة وانما أسندت إلى كل واحد من الوالدين للايذان بأن اضراره بالآخر بسبب الولد اضرار بنفسه ، ومنه أنه يتضمن ضر الولد أو يستلزمه ، وكيف تحسن تربية ولد بين أبوين همّ كل واحد منهما ايذاء الآخر وضرره به . والنهي عن المضارة في هذا المقام يؤيد القول بأن الكلام في الوالدات المطلقات كما تقدم أما قوله
وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ
فمعطوف على قوله
( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 413 | الشيخ محمد رشيد رضا