والمراد بكون هذه النفقة بالمعروف أن تكون كافية لائقة بحال المرأة في قومها وصنفها . لا تلحقها غضاضة في نوعها ولا في كيفية أدائها إليها ، وتقدم ان هذا يرجح أن المراد بالوالدات المطلقات منهن ، وقد عبر عن النفقة هنا بالرزق والكسوة الواجبين للمرأة بمقتضى الزوجية دون الأجرة حتى لا يتوهم ان كل والدة تجب لها الأجرة على إرضاع ولدها ، لان الكلام بدىء بلفظ « الوالدات » وأما في سورة الطلاق فقد عبر بلفظ الأجرة إذ قال
( 65 : 6 فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ )
لان الكلام هناك في المطلقات لا يحتمل غيره ، فلا إيهام في اختيار اللفظ الاخصر .
ولو توجه الذهن إلى فهم الآية غير مثقل بأقوال الفقهاء لما فهم غير هذا منها ، ومن فهمها مجردة غير محمولة على مذهب معين لا يحتاج إلى الكلام في جواز استئجار الام للرضاع مطلقا وعدمه وهي في النكاح أو العدة ، إذ المتبادر من الآية أن الام يجب عليها إرضاع ولدها عند عدم المانع الشرعي ، ويجب لها ذلك أيضا كما تقدم آنفا ، وان المطلقات إذا كن والدات يجب أن ينفق عليهن مدة الارضاع لما تقدم ، وهن في هذه المدة إما بائنات ولعله الأكثر لندرة طلاق أم الطفل ، ولا خلاف في جواز استئجارهن حينئذ - وإما معتدات تجب لهن النفقة لعدم خروجهن من عصمة النكاح وقد استشكلوا استحقاق هؤلاء الأجرة على الارضاع ، ولا إشكال في وجوب الشيء بسببين ، ولا تكرار في نصي الوجوب ، لان كل واحد منهما جاء في موضعه ، وله صورة ينفرد بها ، إذ المعتدة قد تكون والدة وغير والدة ، والمرضع تكون بائنة ومعتدة ، وكل منهما مشغولة بمصلحة الرجل المطلق شغلا يمنعها من زواج يغنيها عن نفقته ، لان المرضع قلما يرغب فيها وقلما ترغب هي في الزواج ، ثم إنها لا تستحق ولدها إذا تزوجت
ولما كان المكلفون من الرجال يتفاوتون في الاعسار والايسار بالنفقة فمنهم من لا يقدر على اللائق بالمرأة في عرف الناس ومنهم من يقدر على أكثر من ذلك عقب تعالى هذا الامر بقوله
لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها
فسر بعضهم الوسع بالطاقة وهو غلط لان الوسع ضد الضيق وهو ما تتسع له القدرة ولا يبلغ