تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
بطريق الرمز والتلويح ، لا بطريق الإبانة والتصريح ، فان التربص في حقيقته وظاهر معناه التريث والانتظار ، وهو يتعلق بشيء يتريث عنه ، وينتظر زوال المدة المضروبة دونه ، ولولا كلمة
( بِأَنْفُسِهِنَّ )
لما أفادت الجملة تلك المعاني الدقيقة ، والكنايات الرشيقة ، وما كان ليخطر على بال إنسان يريد إفادة حكم العدة أن يزيد هذه الكلمة على قوله
( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ )
ولو لم تزد لكان الحكم عاريا عن تأديب النفس والحكم على شعورها ووجدانها ، ولعل الارشاد إلى ما تنطوي عليه نفوس النساء من تلك النزعة في ضمن الاخبار عنهن بأن من شأنهن امتلاكها والتربص بها اختيارا ، هو أشد فعلا في أنفسهن وأقوى إلزاما لهن أن يكن كذلك طائعات مختارات ، كما أن فيه اكراما لهن ولطفا بهن ، إذ لم يؤمرن أمرا صريحا ، وهذا من الدقائق التي نحمد اللّه تعالى أن هدانا إلى فهمها ، فأنى لأمثالنا من البشر أن يأتوا بمثلها ؟ ! قال الأستاذ الامام بعد بيان هذه النكتة التي شرحناها : وزعم بعض الناس أن معنى التربص بالأنفس هنا ضبطها ومنعها أن تقع في غمرة الشهوة المحرمة ، وعللوا ذلك بأن النساء أشد شهوة من الرجال ومنهم من قدر هذه الشدة والزيادة بأضعاف كثيرة حدها وعدها عدا ، وهذا من نبذ الأقوال وطرحها بغير بينة ولا علم ، فان الرجال كانوا وما زالوا هم الذين يطلبون النساء ويرغبون فيهن ، ثم يظلمونهن حتى بالتحكم في طبائعهن والحكم على شعورهن ، ويأخذ بعضهم ذلك من بعض بالتسليم والتقليد وأقول ان من دقق النظر في أقوال الرجال في النساء في كل عصر ولا سيما أقوال كتاب الصحف في زماننا ، ووزنها بموازينها ، رأى فيها من الأغلاط والأوهام ، ما يبطله النظر والاختبار ، وأظهر أوهامهم ما يكتبونه في حب المرأة وفي الموازنة بينها وبين الرجل فيما تقدم وفي غيره ، وان المقلدين للمخطىء في ذلك اضعاف المقلدين للمصيب ثم بين تعالى حكمة هذا التربص بالزواج في سياق حكم آخر فقال
وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ
كما كن يفعلن أحيانا في الجاهلية إذ كانت