تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
أطال المفسرون في إيرادها والترجيح بينها ، فالمالكية والشافعية وآل البيت على أن القرء هو الطهر ، والحنفية والحنابلة في أصح الروايتين على أن القرء هو الحيض ، وأدلة الأولين أقوى . قال الأستاذ الامام والخطب في الخلاف سهل لان المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزوج السابق وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاثة أطهار ، ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع في المسألة . وأورد الحكم بلفظ الخبر دون الامر وغيره من ضروب الانشاء - كقوله كتب على المطلقات كذا - لتأكيده والاهتمام به ، كأنه يقول إن هذا التربص واقع كذلك لا محالة ، كما يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني في هذا النوع من الاسناد الخبري في مقام الامر ، فعند ما يقال المطلقات يلتفت ذهن السامع ويكون متهيئا لسماع ما يقال عنهن ، فإذا قيل
( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ )
الخ - وفيه الاسناد والحكم - يتقرر عنده أنه مأمور به أمرا مؤكدا كأنه قال اننا أمرنا هن بذلك وفرضناه عليهن فامتثلن الامر وجرين عليه بالاستمرار حتى صار شأنا من شؤونهن اللازمة لهن لا ينصرفن عنه ، بل لا يخطر في البال مخالفتهن له . وليس في الامر بصيغته ما يفيد هذا التأكيد والاهتمام ، لأن المأمور بالشيء قد يمتثل وقد يخالف . وهذا الضرب من التعبير معهود في التنزيل في مقام التأكيد والاهتمام يقع في الكتاب مواقعه لا يعدوها ، ولا يخفى ذلك على من طعم البلاغة وذاقها وفي التعبير بقوله
( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ )
من الابداع في الإشارة ، والنزاهة في العبارة ، ما عهد في كل القرآن ، ولم يبلغ مراعاة مثله انسان ، فالكلام في المطلقات وهن معرضات للزواج ، وخلو من الأزواج ، والأنسب فيه ترك التصريح بما يتشوفن اليه ، والاكتفاء بالكناية عما يرغبن فيه ، على اقرارهن عليه ، وعدم ايئاسهن منه ، مع اجتناب اخجالهن ، وتوقي تنفيرهن أو التنفير منهن ، وقد جمع هذه المعاني قوله تعالى
( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ )
على ما فيه من الايجاز ، الذي هو من مواقع الاعجاز ، فأفاد أنه يجب عليهن أن يملكن رغبتهن ، ويكففن جماح أنفسهن ، إلى تمام المدة الممدودة ، والعدة المعدودة ، ولكن