صح من تحقيق الهمزة وتسهيلها ، ومن الإمالة وعدمها ، فلا تنافى بين هذه القرءات فبعد إثبات إحداها نفيا لمقابلتها كما هو بديهي . على أن خط المصحف أقوى الحجج فلو فرضنا تعارض هذه القراءات لكان هو المرجح ، ولكن لا تعارض وللّه الحمد
نكتفي بهذا ردا لما في كلام الآلوسي وأمثاله من الخطأ فان غيره لا يعنينا في موضوعنا ولا سيما ما رجحه عن إمامه وخالف فيه غيره ، وعلله باطلاقهم عليه لقب الامام الأعظم ، وزيادته هو عليهم لقب المجتهد الأقدم ، مع علمه بأن علماء الصحابة والتابعين أقدم منه اجتهادا ، وأن هذه الألقاب وإن صح معناها لا تقتضى عدم الخطأ ولا عدم النسيان ولا إهمال بعض المسائل المهمة . ونحن يسرنا أن يصح ما ذكره ، وأن يخطئ من أنكره ، فان من المصائب أن يوجد في المسلمين عالم ينكر ما ثبت في خط المصحف المتواتر كتابة ورواية . وقد نقل الرازي أن أبا حنيفة ليس له نص في المسألة « وإنما قال : يقرأ البسملة ويسر بها ، ولم يقل إنها آية من أول السورة أم لا . ( قال الرازي ) وسئل محمد بن الحسن عن بسم اللّه الرحمن الرحيم ؟ فقال : ما بين الدفتين كلام اللّه . قال ( أي السائل له ) فلم تسره ؟ قال فلم يجبني . وقال الكرخي : لا أعرف هذه المسألة بعينها لمتقدمى أصحابنا ، إلا أن أمرهم بإخفائها يدل على أنها ليست من السورة . وقال بعض فقهاء الحنفية :
تورع أبو حنيفة وأصحابه عن الوقوع في هذه المسألة لأن الخوض في أن البسملة من القرآن أو ليست منه أمر عظيم ، فالأولى السكوت عنه ا ه
أقول : من الخطأ البين الاستدلال بأمر بعض الفقهاء بإخفاء البسملة على كونها ليست من القرآن ، مع الاجماع على أن ما بين دفتي المصحف قرآن منزل من اللّه . على أن الروايات الصحيحة في الأحاديث فيها الجهر بالبسملة والاسرار وروايات الجهر أقوى وأبعد عن التعليل والتأويل
وصفوة القول : أن دلالة المصحف أقوى الدلالات ، ترجح على كل ما عارضها من الروايات ، ودلالتها قطعية ، تؤيدها الروايات المتواترة في إثباتها ، والاجماع العملي على قراءتها ، ولا ينافيها عدم رواية بعضهم لها فالمسألة قطعية في نفسها ، وانما جعلوها اجتهادية باختلاف الروايات الآحادية في قراءتها ، وقد علمت ما فيها واللّه الموفق للصواب
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 94
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٩٤