تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
وإنما أثبت بعض القراء بالروايات المتواترة أن البسملة آية من الفاتحة وبعضهم لم يرو ذلك بأسانيده المتواترة ، وعدم نقل الإثبات للشئ ليس نفيا لذلك الشئ ، لا رواية ولا دراية . وأعم من هذا : ما قاله العلماء من أن بين عدم إثبات الشئ وبين إثبات عدمه بونا بعيدا كما هو معلوم بالضرورة . ولو فرضنا أن بعضهم روى التصريح بالنفي لجزمنا بأن روايته باطلة سببها أن بعض رجال سندها اشتبه عليه عدم الاثبات باثبات النفي ، إذ يستحيل عقلا أن يكون الأمران المتناقضان قطعيين معا ، ورواية الاثبات لا يمكن الطعن فيها ، وناهيك وقد عززت بخط المصحف الذي هو بتواتره خطا وتلقينا أقوى من جميع الروايات القولية وأعصى على التأويل والاحتمال ، وأما القول بأنها آية مستقلة بين كل سورتين للفصل بينهما ما عدا الفصل بين سورتي الأنفال وبراءة ، فما هو إلا رأى للجمع بين الروايات الآحادية الظنية المتعارضة ، ويمكن الجمع بغيره مما لا إشكال فيه ، إذ لو كانت البسملة للفصل بين السور لم توضع في أول الفاتحة ولم تحذف من أول براءة للعلة التي ذكرناها عنهم في هذا البحث فهي لا تتحقق إلا إذا كانت البسملة من السورة ، وزد على ذلك ما أوردناه من المعاني والحكم في بدء القرآن بها ، وما صح مرفوعا من كونها هي السبع المثاني وأما الجواب الذي نقله الألوسى وارتضاه فلا يستغرب صدوره ولا إقراره ممن يثبت الجمع بين النقيضين المنطقيين ويفتخر بأنه يمكنه توجيه ما يعتقد بطلانه . على أنه جواب عن اشكال غير وارد ، وبعبارة أخرى ليس جوابا عن إشكال إذ لا إشكال . والخلاف بين القراء في مثل السراط والصراط ومسيطر ومصيطر ، وضنين ، وظنين ، ليس خلافا بين النفي والاثبات كمسألة البسملة بل هي قراءات ثابتة بالتواتر ، فأما ضنين وظنين فهما قراءتان متواترتان - كمالك وملك في الفاتحة - كتبت قراءة الضاد في مصحف أبىّ وهو الذي وزع في الأمصار وقرأ بها الجمهور ، وقراءة الظاء في مصحف عبد اللّه بن مسعود وقرأ بها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي . ولكل منهما معنى وليستا من قبيل تسهيل القراءة لقرب المخرج كما سيأتي في بيان الفرق بين مخرجى الحرفين قريبا ، وأما السراط والصراط ومسيطر ومصيطر فلا فرق بينهما الا تفخيم السين وترقيقه وبكل منهما نطق بعض العرب وثبت به النص فهو من قبيل ما