تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
داخل فيها يتوجه في طلبه إلى اللّه تعالى بلا واسطة ولا حجاب ، وبهذا البيان تعلم أنه لا منافاة بين التوحيد والتوكل وبين الأخذ بالأسباب وإقامة سنن اللّه تعالى فيها ، بل الكمال والأدب في الجميع بينهما ، فالسيد المالك إذا نصب لعبده وخدمه مائدة يأكلون منها غدوا وعشيا ، وجعل لهم خدما يقومون بأمرها ، لا يكون طلب الطعام منه إلا بالاختلاف إلى المائدة ، وإنما ينبغي أن لا يغفلوا بها وبخدمها عن ذكر صاحب الفضل الذي أنشأها بماله وسخر أولئك الخدم للآكلين عليها ، ولا عن حمده وشكره ، فهذا مثال مائدة الكون بأسبابه ومسبباته . والعبد إذا احتاج شيئا من الأشياء التي لم يجعلها سيده مبذولة لجميع عبيده في كل وقت ، طلبه منه دون سواه ، فان أظهر الحاجة إلى غيره كان ذلك من قلة ثقته بمولاه ، وجعل ذلك الغير في مرتبته أو أجدر منه بالفضل . هذا في العبيد مع السادة الذين لهم نظراء وأنداد ، فكيف إذا كان العبد الذي يتوجه إلى غير مولاه ، لا يجد من يتوجه اليه سواه ، إلا أمثاله من العبيد المحتاجين إلى المولى مثله ، لأنه هو السيد الصمد ، الذي ليس له كفؤا أحد ؟ . ثم إن لفظ الاستعانة يشعر بأن يطلب العبد من الرب تعالى الإعانة على شئ له فيه كسب ليعينه على القيام به ، وفي هذا تكريم للانسان بجعل عمله أصلا في كل ما يحتاج اليه لإتمام تربية نفسه وتزكيتها . وإرشاد له إلى أن ترك العمل والكسب ، ليس من سنة الفطرة ولا من هدى الشريعة ، فمن تركه كان كسولا مذموما لا متوكلا محمودا . وبتذكيره من جهة أخرى بضعفه لكيلا يغتر فيتوهم أنه مستغن بكسبه عن عناية ربه ، فيكون من الهالكين في عاقبة أمره إذا تدبرت هذا فهمت منه نكتة من نكت تقديم العبادة على الاستعانة وهي أن الثانية ثمرة للأولى . ولا ينافي هذا أن العبادة نفسها مما يستعان عليه باللّه تعالى ليوفق العابد للاتيان بها على الوجه المرضىّ له عز وجل . لا منافاة بين الأمرين لأن الثمرة التي يخرج من الشجرة تكون حاوية للنواة التي تخرج منها شجرة أخرى . فالعبادة تكون سببا للمعونة من وجه ، والمعونة تكون سببا للعبادة من وجه آخر ، كذلك الأعمال تكون الأخلاق التي هي منا شئ الأعمال ، فكل منهما سبب ومسبب وعلة ومعلول ، والجهة مختلفة فلا دور في المسألة