حتى يفنى بعضهم بعضا ، ولا تغنى عنهم تلك الهدايات شيئا ؟ فاحتاجوا إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم ، إذا هي غلبت على عقولهم ، وتبين لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها ، ويكفوا أيديهم عما وراءها . ثم إن مما أودع في غرائز الانسان الشعور بسلطة غيبية متسلطة على الأكوان ينسب إليها كل ما لا يعرف له سببا . لأنها هي الواهبة كل موجود ما به قوام وجوده ، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة ، فهل يستطيع أن يصل بتلك الهدايات الثلاث إلى تحديد ما يجب عليه لصاحب تلك السلطة الذي خلقه وسواه ، ووهبه هذه الهدايات وغيرها ، وما فيه سعادته في تلك الحياة الثانية ؟
كلا إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة - الدين - وقد منحه اللّه تعالى إياها
أشار القرآن إلى أنواع الهداية التي وهبها اللّه تعالى للانسان في آيات كثيرة منها قوله تعالى
« وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ »
أي طريقي السعادة والشقاوة والخير والشر .
قال الأستاذ الإمام : وهذه تشمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة وهداية العقل وهداية الدين . ومنها قوله تعالى
« وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى »
أي دللناهم على طريقي الخير والشر ، فسلكوا سبل الشر المعبر عنه بالعمى . وذكر غير هاتين الآيتين مما في معناهما ، ثم قال :
بقي معنا هداية أخرى وهي المعبر عنها بقوله تعالى
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
فليس المراد من هذه الهداية ما سبق ذكره ، فالهداية في الآيات السابقة بمعنى الدلالة ، وهي بمنزلة إيقاف الإنسان على رأس الطريقين المهلك والمنجى ، مع بيان ما يؤدى إليه كل منهما ، وهي مما تفضل اللّه به على جميع أفراد البشر . وأما هذه الهداية فهي أخص من تلك والمراد بها إعانتهم وتوفيقهم للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة ، وهي لم تكن ممنوحة لكل أحد كالحواس والعقل وشرع الدين « 1 »
هامش
( 1 ) هذا الفرق بين معنى الهداية معروف في اللغة وبه يجاب عن التناقض الظاهري في قوله تعالى ( 28 : 56وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )وقوله تعالى ( 42 : 53إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ )وقوله تعالى ( 2 : 272لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ )فالهداية التي أثبتها للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم هي الدلالة على الخير والحق ، والتي نفاها عنه هي الثانية التي بمعنى الإعانة والتوفيق