يشعر بألم الحاجة إلى الغذاء فيصرخ طالبا له بفطرته ، وعندما يصل الثدي إلى فيه يلهم التقامه وامتصاصه ( الثانية ) هداية الحواس والمشاعر وهي متممة للهداية الأولى في الحياة الحيوانية ، ويشارك الإنسان فيهما الحيوان الأعجم ، بل هو فيهما أكمل من الانسان ، فإن حواس الحيوان وإلهامه يكملان له بعد ولادته بقليل ، بخلاف الانسان فان ذلك يكمل فيه بالتدريج في زمن غير قصير ، ألا تراه عقب الولادة لا تظهر عليه علامات ادراك الأصوات والمرئيات ، ثم بعد مدة يبصر ولكنه لقصر نظره يجهل تحديد المسافات ، فيحسب البعيد قريبا فيمد يديه إليه ليتناوله وإن كان قمر السماء ، ولا يزال يغلط حسه حتى في طور الكمال
( الهداية الثالثة : العقل ) خلق اللّه الانسان ليعيش مجتمعا ولم يعط من الالهام والوجدان ما يكفى مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية كما أعطى النحل والنمل فان اللّه قد منحها من الالهام ما يكفيها لأن تعيش مجتمعة يؤدى كل واحد منها وظيفة العمل لجميعها ، ويؤدى الجميع وظيفة العمل للواحد ، وبذلك قامت حياة أنواعها كما هو مشاهد
أما الانسان فلم يكن من خاصة نوعه أن يتوفر له مثل ذلك الالهام ، فحباه اللّه هداية هي أعلى من هداية الحس والالهام ، وهي العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه ، وذلك أن البصر يرى الكبير على البعد صغيرا ، ويرى العود المستقيم في الماء معوجا ، والصفراوي يذوق الحلو مرا . والعقل هو الذي يحكم بفساد مثل هذا الادراك .
( الهداية الرابعة : الدين ) يغلط العقل في إدراكه كما تغلط الحواس ، وقد يهمل الانسان استخدام حواسه وعقله فيما فيه سعادته الشخصية والنوعية ويسلك بهذه الهدايات مسالك الضلال ، فيجعلها مسخرة لشهواته ولذاته حتى تورده موارد الهلكة . فإذا وقعت المشاعر في مزالق الزلل ، واسترقت الحظوظ والأهواء العقل فصار يستنبط لها ضروب الحيل ، فكيف يتسنى للانسان مع ذلك أن يعيش سعيدا ؟
وهذه الحظوظ والأهواء ليس لها حد يقف الإنسان عنده ، وما هو بعائش وحده ، وكثيرا ما تتطاول به إلى ما في يد غيره ، فهي لهذا تقتضى أن يعدو بعض أفراده على بعض ، فيتنازعون ويتدافعون ، ويتجادلون ويتجالدون ، ويتواثبون ويتناهبون
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 63
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٦٣