تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
بعظم سلطانه ، ثم وصفهم بأثر هذا السهو وهو الرياء ومنع الماعون . وذكر الأستاذ الامام أن الرياء ضربان : رياء النفاق وهو العمل لأجل رؤية الناس ، ورياء العادة وهو العمل بحكمها من غير ملاحظة معنى العمل وسره وفائدته ، ولا ملاحظة من يعمل له ويتقرب إليه به ، وهو ما عليه أكثر الناس ، فان صلاة أحدهم في طور الرشد والعقل هي عين ما كان يحاكى به أباه في طور الطفولية عندما يراه يصلى - يستمر على ذلك بحكم العادة من غير فهم لا عقل ، وليس للّه شئ في هذه الصلاة . وقد ورد في بعض الأحاديث أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من اللّه إلا بعدا وأنها تلف كما يلف الثوب البالي ويضرب بها وجهه . وأما الماعون فهو المعونة والخير الذي تقدم في الآية الأخرى أن من شأن الإنسان أن يكون منوعا له إلا المصلين . والاستعانة طلب المعونة وهي إزالة العجز والمساعدة على اتمام العمل الذي يعجز المستعين عن الاستقلال به بنفسه ثم تكلم الأستاذ الإمام على حصر العبادة والاستعانة في اللّه تعالى الذي دل عليه تقديم المفعول ( إياك ) على الفعل ( نعبد ) و ( نستعين ) فقال ما مثاله أمرنا اللّه تعالى بأن لا نعبد غيره ؛ لأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب ليست إلا له دون غيره ، فلا يشاركه فيها أحد فيعظم تعظيم العبادة ، وأمرنا بأن لا نستعين بغيره أيضا وهذا يحتاج إلى البيان لأنه أمرنا أيضا في آيات أخرى بالتعاون ( 5 : 2
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى )
فما معنى حصر الاستعانة به مع ذلك ؟ الجواب أن كل عمل يعمله الإنسان تتوقف ثمرته ونجاحه على حصول الأسباب التي اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون مؤدية اليه ، وانتفاء الموانع التي من شأنها بمقتضى الحكمة أن تحول دونه ، وقد مكن اللّه تعالى الإنسان بما أعطاه من العلم والقوة من دفع بعض الموانع وكسب بعض الأسباب ، وحجب عنه البعض الآخر ، فيجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك ، ونبذل في إتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوة ، وأن نتعاون ويساعد بعضنا بعضا على ذلك ، ونفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شئ ، ونلجأ اليه وحده ، ونطلب المعونه المتممة للعمل