تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
وسعة الملك إنما يناسب الآيات بمعنى الدلائل دون معنى الأحكام الشرعية والأقوال الدالة عليها من حيث هي دالة عليها لا من حيث هي دالة على النبوة - ويزيد هذا سفورا ووضوحا قوله عقبه
( أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ ؟ )
فقد كان بنو إسرائيل لم يكتفوا بما أعطى موسى من الآيات وتجرءوا على طلب غيرها وقالوا
( يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً )
وكذلك كان فرعون وقومه كلما رأوا آية طلبوا غيرها حتى رأوا تسع آيات بينات ولم يؤمنوا . وقوله تعالى
( كَما سُئِلَ مُوسى )
يشمل كل ذلك قد أرشدنا اللّه تعالى بهذا إلى أن التفنن في طلب الآيات وعدم الاذعان لما يجئ به النبي منها والاكتفاء به بعد العجز عن معاوضته هو دأب المطبوعين على الكفر الجامدين على المعاندة والمجاحدة ، فإنه قال بعد إنكار هذا الطلب ( ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سورة السبيل ) ويوضح هذا قوله تعالى في آية أخرى ( 17 : 59
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ )
والمراد الآيات المقترحة ، بدليل السياق ، وهو اتفاق بين المفسرين . ولو كان الموضوع موضوع طلب استبدال أحكام بأحكام تنسخها لما كان للتوعد بالكفر وجه وجيه . وقوله تعالى
( فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ )
معناه أنه أخطأ وسط الجادة ومال إلى أحد الجانبين ومتى انحرف السائر في سيره عن الوسط يخرج عن المنهج ويبعد عنه كلما أوغل في السير فيهلك دون الوصول إلى المقصد . والمراد بسواء السبيل الحق والخير اللذان تكمل الفطرة بالاستقامة على السير في طريقهما ، ومن مال عن الحق وقع في الباطل لا محالة ( 10 : 22
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ؟ )
هذا هو التفسير الذي تتصل به الآيات ويلتئم بعضها مع بعض على وجه يتدفق بالبلاغة ، وهو الذي يتقبله العقل ويستحليه الذوق إذ لا يحتاج إلى شئ من التكلف في فهم نظمه ولا في توخيه مفرداته كالإنساء والقدرة والملك « 1 » وقد اضطر القائلون بأن المراد بالنسخ نسخ الاحكام - مع ما عرفت من التكلف - إلى القول بجو
هامش
( 1 ) بعد نشر هذا التحقيق في المنار بزمن طويل علمت أن الشيخ محى الدين بن عربى سبق إلى مثله فذكره مختصرا في تفسير له كتبه على طريق المفسرين دون الصوفية