نسيان الوحي ، وطفقوا يلتمسون الدلائل على ذلك ، حتى أوردوا قوله عز وجل ( 18 : 24
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ )
وليس من هذا الموضوع ولا المخاطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وانما جاء على طريق الحكاية « 1 » وأما قوله تعالى ( 78 : 6 ، 7
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ )
فهو يؤكد عدم النسيان لأن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن للدلالة على الثبوت والاستمرار كما في قوله تعالى ( 11 : 108
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ )
أي غير مقطوع . وقوله ( 7 : 188
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ )
والنكتة في الاستثناء بيان هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة اللّه تعالى لا بطبيعتها في نفسها ولو شاء اللّه تعالى أن يغيرها لفعل ، وهذا الاعتقاد من مهمات الدين ، فلا غرو أن أن تزاح عنه الأوهام في كل مقام يمكن أن تعرض فيه . فليس امتناع نسيان الوحي طبيعة لازمة للنبي ، وانما هو تأييد ومنحة من اللّه تعالى ، وليس خلود أهل الجنة في الجنة واجب عقلي أو طبيعي ، وانما هو بإرادة اللّه تعالى ومشيئته
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( أو ننسأها ) أي نؤخرها ، ولا يظهر هذا المعني في مقام نسخ الاحكام كما يظهر في نسخ الآيات والمعجزات المقترحة على الأنبياء فان الآية التي تقترح على نبي لأنها كانت لنبي قبله قد تنسخ بآية جديدة خير منها أو مثلها ، وقد تؤخر بالآية الجديدة ، ثم تعطى في وقت آخر بعد الاقتراح ، ولكن تأخير آيات الأحكام ليس له معنى ظاهر .
* * *
( 109 )
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 110 )
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
هامش
( 1 ) الأول لا نزاع فيه ، والثاني رأى الأستاذ دون الجمهور