تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
الإنساء على الوجه الذي ذكروه حتى قال بعضهم إن معنى ( ننسها ) نتركها على ما هي عليه من غير نسخ وأنت ترى أن هذا وإن صح لغة لا يلتئم مع تفسيرهم إذ لا معنى للاتيان بخير منها مع تركها على حالها غير منسوخة ( قال ) والمعني الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره أن الآية هنا هي ما يؤيد اللّه تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم أي
( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ )
نقيمها دليلا على نبوة نبي من الأنبياء أي نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها أو ننسها الناس لطول العهد بمن جاء بها فإننا بما لنا من القدرة الكاملة والتصرف في الملك نأتي بخير منها في قوة الاقناع وإثبات النبوة أو مثلها في ذلك . ومن كان هذا شأنه في قدرته وسعة ملكه فلا يتقيد بآية مخصوصة يمنحها جميع أنبيائه . والآية في أصل اللغة هي الدليل والحجة والعلامة على صحة الشئ وسميت جمل القرآن آيات لأنها بإعجازها حجج على صدق النبي ودلائل على أنه مؤبد فيها بالوحي من اللّه عز وجل ، من قبيل تسمية الخاص باسم العام . ولقد كان من يهود من يشكك في رسالته عليه السّلام بزعمهم أن النبوة محتكرة لشعب إسرائيل ، ولقد تقدمت الآيات في تفنيد زعمهم هذا وقالوا
( لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى )
أي من الآيات ، فرد اللّه تعالى عليهم في مواضع منها قوله عز وجل بعد حكاية قولهم هذا
( أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ )
الخ ومنها هذه الآيات والخطاب فيها للمؤمنين الذين كان اليهود يريدون تشكيكهم كأنه يقول إن قدرة اللّه تعالى ليست محدودة ولا مقيدة بنوع مخصوص من الآيات أو بآحاد منها لا تتناول غيرها ، وليست الحجة محصورة في الآيات السابقة لا تتعداها ، بل اللّه قادر على أن يأتي بخير من الآيات التي أعطاها موسى وبمثلها ، فإنه لا يعجز قدرته شئ ، ولا يخرج عن ملكه شئ ، كما أن رحمته ليست محصورة في شعب واحد فيخصه بالنبوة ، ويحصر فيه هداية الرسالة ، كلا إن رحمته وسعت كل شئ ، كما أن قدرته تتصرف بكل شئ من ملك السماوات والأرض الذي لا يشاركه فيه مشارك ، ولا ينازعه فيه منازع ، فيكون وليا ونصيرا لمن كفر بنعمه وانحرف عن سننه أنظر كيف أسفرت البلاغة عن وجهها في هذا المقام فظهر أن ذكر القدرة « تفسير القرآن الحكيم » « 27 » « الجزء الأول »