يحتاج في بيانه إلى غيره ،
* * *
فقال
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ
وقد تقدم أن الوحي من اللّه للنبي يسمى تنزيلا وانزالا ونزولا لبيان علو مرتبة الربوبية لا أن هناك نزولا حسيا من مكان مرتفع إلى مكان منخفض .
قال هذا شيخنا : وعلو اللّه تعالى على خلقه حقيقة أثبتها لنفسه في كتابه ، لا حاجة إلى تأويلها بعلو مرتبة الربوبية على مرتبة المخلوقين هربا من استلزامها الحصر والتحيز في جهة واحدة ، فان التنزيه القطعي يبطل اللزوم . ومسألة الجهات نسبية لا حقيقية ، وإذ كان الرب تعالى بائنا من خلقه وهو من ورائهم محيط فهم أينما كانوا لا يتوجهون اليه إلا أنه فوقهم وإذا كان الملائكة
( يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ )
فماذا يقال فيمن دونهم ؟ وتوجه البشر إلى ربهم في جهة العلو وقبل السماء فطرى معروف في جميع أهل الملل ، فهو فوق الخلق في جملته وفوق العباد أينما كانوا من أرض أو سماء ، وهنا لك مقام الاطلاق الذي لا يقيد بقيد ولا يحصر في حيز ، وانما الحيز والحصر من الأمور النسبية والاعتبارية في داخل دائرة الخلق . وصح في الحديث أن الملائكة إذا سمعوا كلام اللّه في السماوات عراهم ما عراهم مما أشير إليه في قوله تعالى
( حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ؟ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ )
وشيخنا على دعوته إلى مذهب السلف كان لا يزال متأثرا بمذهب الأشعرية
وأما كون آيات القرآن بينات فهي أنها باعجازها البشر وبقرن المسائل الاعتقادية فيها ببراهينها ، والأحكام الأدبية والعملية بوجوه متافعها ، لا تحتاج إلى دليل آخر يدل على أنها هداية من اللّه تعالى وأنها جديرة بالاتباع ، بل هي دليل على نفسها عند صاحب الفطرة السليمة كالنور يظهر الأشياء وهو ظاهر بنفسه لا يحتاج إلى شئ آخر يظهره
وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ
الذين خرجوا من نور الفطرة وانغمسوا في ظلمة التقليد فتركوا طلب الحق بذاته لاعتقادهم أن فطرتهم ناقصة لا استعداد فيها لادراكه بذاته على شدة ظهوره ، وانما يطلبونه من كلام مقلديهم - وكذا الذين ظهر لهم الحق فاستحبوا العمى على الهدى حسدا لمن ظهر الحق على يديه وعنادا له
بعد هذا كله بين اللّه تعالى شأنين من شؤون أهل الكتاب وهما أنه لا ثقة بهم