تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
فطرتهما واحدة وحقيقتهما واحدة من مقتها وعاداها في أحدهما فقد عاداها في الآخر
فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ
أي من عادى اللّه وعادى هؤلاء المقربين من اللّه الذين جعلهم رحمة لخلقه فان اللّه عدو له ، لأنه كافر باللّه ومعاد له ، واللّه عدو للكافرين أي يعاملهم معاملة الأعداء للأعداء ، وهم الظالمون لأنفسهم إذ دعاهم فلم يقبلوا أن يكونوا مع الأولياء ( ميكال ) بوزن ميعاد قراءة أبى عمرو ويعقوب وعاصم برواية حفص ، وقرأ نافع ميكائل وحمزة والكسائي وابن عامر ميكائيل . وفي الشواذ ميكئل وميكئيل وميكاييل ( قال الأستاذ الامام ) هذا وعيد لهم بعد بيان فساد العلة التي جاءوا بها وهم لم يدعوا عداوة هؤلاء كلهم ولكنهم كذلك في نفس الأمر ، فأراد أن يبين حقيقة حالهم في الواقع ، وهي أنهم أعداء الحق وأعداء كل من يمثله وينقله ويدعو إليه ، فالتصريح بعداوة جبريل كالتصريح بعداوة ميكال الذي يزعمون أنهم يحبونه وأنهم كانوا يؤمنون بالنبي لو كان هو الذي ينزل بالوحي عليه . ومعاداة القرآن كمعاداة سائر الكتب الإلهية ، لأن الغرض من الجميع واحد . ومعاداة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كمعاداة سائر رسل اللّه لأن وظيفتهم واحدة . فقولهم السابق وحالهم يدلان على معاداة كل من ذكر . وهذا من ضروب إبجاز القرآن التي انفرد بها . وفي قوله تعالى
( لِلْكافِرِينَ )
وضع للمظهر في موضع المضمر لبيان أن سبب عداوته تعالى لهم هو الكفر ، فان اللّه لا يعادى قوما لذواتهم ولا لأنسابهم ، وإنما يكره لهم الكفر ويعاقبهم عليه معاقبة العدو للعدو ( أقول ) وقد تقدم غير مرة أن عذاب اللّه وانتقامه من الكفرة الفجرة لا يشبه انتقام ملوك الدنيا وزعمائها ، وإنما قضت سنته تعالى بأن يكون لكل عمل يعمله الانسان في ظاهره أو في نفسه وضميره أثرا في نفس العامل يزكيها ويدسيها وسعادة الانسان في الآخرة أو شقاؤه تابع لآثار اعتقاداته وأعماله في نفسه . ولذلك قال تعالى
( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ )
ثم صرح بأن القرآن منزل من عند اللّه وحده ، وأنه في نفسه آيات بينات لا يحتاج إلى آية أخرى تبينه وتشهد له ، فان ما كان بينا في نفسه أولى بالقبول مما
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 394 | الشيخ محمد رشيد رضا