قبل ، فإن هذا الرفض من عمل الغبي الجاهل الذي لا يعرف الخير بذاته وإنما يعرفه بمن كان سببا في حصوله . ثم أيد الحجج الثلاث برابعة فقال
وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
أي إذا كنتم تعادون جبريل لأنه أنذر بخراب بيت المقدس فهو إنما أنذر المفسدين وقد أنزل هذا القرآن علىّ بشرى للمؤمنين فما لكم أن تتركوا هذه البشرى إن كنتم من أهل الإيمان ، لأن الذي نزل بها قد نزل بانذار أهل الفساد والطغيان
ومن مباحث اللفظ في الآية : أن جبريل اسم أعجمي مركب من « جبر » ومعناه بالعبرانية أو السريانية القوة ومن « إيل » ومعناه الإله أي قوة اللّه وقيل معناه عبد اللّه . وفيه 13 لغة منها ثمان لغات قرىء بهن أربع في المشهورات : جبرئيل كسلسبيل قرأ بها حمزة والكسائي وجبريل بفتح الراء وحذف الهمزة قرأ بها ابن كثير والحسن وابن محيصن وجبرئل كجحمرش قرأ بها عاصم برواية أبى بكر ، وجبريل كقنديل قرأ بها الباقون . وأربع في الشواذ جبرإل وجبرائيل وجبرئل وجبرين .
ومنها أن قوله
( نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ )
ورد على طريق الالتفات عن التكلم إلى الخطاب إذ كان مقتضى السياق أن يقول
( نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ )
وقد قالوا في نكتته إنها حكاية ما خاطبه اللّه تعالى به . ولا أرى صاحب الذوق السليم إلا مستنكرا صيغة التكلم في هذا المقام ؛ والعلة في ذلك لا تبعد عن الأفهام ، ومنها أن الضمير المنصوب البارز في ( نزله ) للقرآن وهو لم يذكر فيما قبلها وإنما عينته قرينة الحال ، وذلك يدل على فخامة شأنه ، كأنه لشهرته قد استغنى عن ذكره ( قاله البيضاوي )
أقام الحجج على حماقتهم وسخفهم في دعوى عداوة جبريل وبيان أنها لا يصح أن تكون مانعة من الإيمان بكتاب أنزله اللّه بتلك الصفات التي طويت فيها الحجج ثم بين في آية أخرى حقيقة حالهم في هذه العداوة فقال
* * *
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ
بكفره بما ينزله من الهداية
وَمَلائِكَتِهِ
برفض الحق والخير الذي فطروا عليه وكراهة القيام بما يعهد به إليهم ربهم عز وجل ، لأنهم
( لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ )
وَرُسُلِهِ
بتكذيب بعض وقتل بعض
وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
بأن الأول ينزل بالآيات والنذر ، ومن كان عدوا لجبريل فهو عدو لميكال لأن