أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ، وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ . عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ )
وفي الحديث الصحيح « ويكره لكن قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال » وقد امتثل سلفنا الأمر فلم يشددوا على أنفسهم فكان الدين عندهم فطريا ساذجا وحنيفيا سمحا ، ولكن من خلفنا من عمد إلى ما عفا اللّه عنه فاستخرج له أحكاما استنبطها باجتهاده ، وأكثروا منها حتى صار الدين حملا ثقيلا على الأمة فسئمته وملت ، وألقته وتخلت .
قال الأستاذ الامام جاءت هذه الآيات على أسلوب القرآن الخاص الذي لم يسبق إليه ولم يلحق فيه ، فهو في هذه القصص لم يلتزم ترتيب المؤرخين ولا طريقة الكتاب في تنسيق الكلام وترتيبه على حسب الوقائع حتى في القصة الواحدة .
وإنما ينسق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب ، ويحرك الفكر إلى النظر تحريكا ، ويهز النفس للاعتبار هزا . وقد راعى في قصص بني إسرائيل أنواع المنن التي منحهم اللّه تعالى إياها ، وضروب الكفران والفسوق التي قابلوها بها ، وما كان في أثر كل ذلك من تأديبهم بالعقوبات ، وابتلائهم بالحسنات والسيئات ، وكيف كانوا يحدثون في أثر كل عقوبة توبة ، ويحدث لهم في أثر كل توبة نعمة ، ثم يعودون إلى بطرهم ، وينقلبون إلى كفرهم .
كان في الآيات السابقة يذكر النعمة فالمخالفة فالعقوبة فالتوبة فالرحمة كالتفضيل على العالمين ؛ وأخذ الميثاق ، والانجاء من آل فرعون ، وما كان في أثر ذلك على ما أشرنا الآن وأجملنا ، وأوضحنا من قبل وفصلنا . وفي هذه القصة اختلف النسق فذكر المخالفة بعد في قوله
( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها )
ثم المنة في الخلاص منها في قوله
( فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها )
الخ وقدم على ذلك ذكر وسيلة الخلاص وهي ذبح البقرة بما يعجب السامع ويشوقه إلى معرفة ما وراءها [ حيث لم يسبق في الكلام عهد لسبب أمر موسى لقومه أن يذبحوا بقرة ، فالمفاجأة بحكاية ما كان من ذلك الأمر والجدال الذي وقع فيه يثير الشوق في الأنفس إلى معرفة السبب فتتوجه الفكرة بأجمعها إلى تلقيه ] إذ الحكمة في أمر اللّه أمة من الأمم بذبح بقرة