تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
العقل ولا يعقلون سرها ، ولا يدركون حقيقتها وكنهها ، فهي التي تغنى الإنسان عن كل ما وهب للحيوان في أصل الفطرة من الكساء الذي يقيه البرد والحر ، والأعضاء التي يتناول بها غذاءه والتي يدافع بها عن نفسه ويسطو بها على عدوه ، وغير ذلك من المواهب التي يعطاها الحيوان بلا كسب ، حتى كان له بها من الاختراعات العجيبة ما كان ، وسيكون له من ذلك ما لا يصل إليه التقدير والحسبان . فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب ولا محدود العلم ولا محدود العمل ، فهو على ضعف أفراده يتصرف بمجموعه في الكون تصرفا لا حد له بإذن اللّه وتصريفه ، وكما أعطاه اللّه تعالى هذه المواهب والأحكام الطبيعية ليظهر بها أسرار خليقته ، وملكه الأرض وسخر له عوالمها - أعطاه أحكاما وشرائع حدّ فيها لأعماله وأخلاقه حدا يحول دون بغى أفراده وطوائفه بعضهم على بعض ، فهي تساعده على بلوغ كماله لأنها مرشد ومرب للعقل الذي كان له كل تلك المزايا فلهذا كله جعله خليفته في الأرض وهو أخلق المخلوقات بهذه الخلافة ظهرت آثار الإنسان في هذه الخلافة على الأرض ونحن نشاهد عجائب صنعه في المعدن والنبات ، وفي البر والبحر والهواء ، فهو يتفنن ويبتدع ، ويكتشف ويخترع ويجدّ ويعمل ، حتى غير شكل الأرض فجعل الحزن سهلا ، والماحل خصبا . والخراب عمرانا ، والبراري بحارا أو خلجانا ، وولد بالتلقبح أزواجا من النبات لم تكن كالليمون المسمى « يوسف أفندي » فان اللّه تعالى خلقه بيد الإنسان وأنشأه بكسبه ، وقد تصرف في أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية والتغذية والتوليد ، حتى ظهر التغير في خلقتها وخلائقها وأصنافها ، فصار منها الكبير والصغير ، ومنها الأهلى والوحشي ، وهو ينتفع بكل نوع منها ويسخره لخدمته كما سخر القوى الطبيعية وسائر المخلوقات . أليس من حكمة اللّه الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى . أن جعل الانسان بهذه المواهب خليفته في الأرض . يقيم سننه : ويظهر عجائب صنعه ، وأسرار خليقته ، وبدائع حكمه ، ومنافع أحكامه وهل وجدت آية على كمال اللّه تعالى وسعة علمه أظهر من هذا الإنسان الذي خلقه اللّه في أحسن تقويم ؟ وإذا كان الإنسان خليفة بهذا المعنى فكيف تعجب الملائكة منه ؟